الرواية الصعبة - نيدرت إيرسانال

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

سيجتمع قادة الاتحاد الأوروبي هذين اليومين في قمة تسعى كما يُقال لاتخاذ قرار بشأن تركيا، لكن من الغريب في الحقيقة أن نرى تحليلات وسيناريوهات المحليين والأكاديميين وحتى السياسيين؛ تستند بمجملها على المرحلة الكلاسيكية من العلاقات التركية-الأوروبية.

أو ترى بأن سبب تأخير ملف تركيا لهذه القمة يعود إلى انتظار حسم نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ليس من المعلوم الآن ما سينتج عن هذه القمة من قرارات حول تركيا، لا أحد يتحدث حول عقوبات شديدة، إلا أنه لو لم يفز بايدن في الانتخابات فلربما لم تكن تركيا تتصدّر أجندة هذه القمة، أو حتى ولو تصدّرتها فلن تكون القرارات المنبثقة بدعًا من قرارات قمم سابقة جرت خلال العام الحالي.

قد تخلق "الطقوس المباركة" للتحالفات المتزايدة "عبر الأطلسي" مع بايدن، انطباعًا بأنّ الولايات المتحدة وأوروبا الآن يتعانقان بعد غياب وسط مشاعر جياشة ودموع حارّة.

نعم من الصحيح أن تحالفات عبر الأطلسي سوف تشهد انتعاشًا، إلا أنه ليس كل بلد في أوروبا يندفع بالشدة والتلهف ذاتهما نحو الولايات المتحدة. لقد ذكرنا من قبل ونكرر الآن؛ ألمانيا وبريطانيا على سبيل المثال ليستا على استعداد بالتضحية بعلاقاتهما مع روسيا أو الصين من أجل بايدن.

بالنسبة لتركيا فإنّ لديها حقيقة في غاية الأهمية لا يعرفها الكثيرون. نعم لقد صرح بايدن أنه سيعطي الأهمية والأولوية لتحالفات عبر الأطلسي وللعلاقات مع أوروبا، إلا أن هناك حقيقة تشير إلى أن قواعد الاشتباك ستحتاج إلى تعريف جديد، بما في ذلك حلف الناتو.

ولذلك أدعو أولئك الذين يمكن أن أسميهم "محللي المقاهي"، والذين يروّجون لنظرية أن "الولايات المتحدة وأوروبا يتحدان مما سيُدخل تركيا في مأزق"؛ أدعوهم لقراءة هذه السطور بعناية فائقة.

كيف يمكنكم معرفة العلاقات التركية-الأمريكية؟

أولًا دعونا نتفق على نقطة؛ أن نضع مسلّماتنا حول كل أزمة وقضية تتعلق بالمستقبل جانبًا، ولنتذكر معًا أنّ الولايات المتحدة وأوروبا لا يعجبهما بأي حال موقع تركيا في الشرق الأوسط الكبير، ولا العمليات العسكرية التي قامت بها تركيا إلى الآن خارج الحدود، لا يريدون تكرار حدوث ذلك بأي شكل. على الأقل بايدن يفكر بهذه الطريقة. ولهذا السبب لديهم حساسية بالغة إزاء أنقرة ولا سيما إزاء دور القوات المسلحة التركية.

لا شك أن نجاح تركيا في القضاء على استراتيجية الحكم الذاتي قد أرّق مضاجعهم وسبب لهم مشكلة كبيرة، إلا أن المشكلة الأكبر بالنسبة لهم هي رؤية أنقرة المتمثلة في إمكانية تعدد الأقطاب.

إن أنقرة تعمل على تطوير آلية تغذّي العقلية التي ترى عدم إمكانية وجود علاقات بين أنقرة والغرب على مستوى الطراز القديم الكلاسيكي، وأسباب ذلك واضحة؛ ألا وهي الخطوات التي تقوم بها تركيا فيما يصبّ في صالحها، وبالتالي لطالما كانت سببًا في نشوء أزمات بينها وبين الغرب، مثل مطاردة التهديدات بعيدًا عن حدودها، والخطوات في مجالي الاقتصاد والدفاع وحتى المواقف السياسية فيما يصب في صالح استقلالية القرار التركي بشكل بات يخلق هاجسًا بالنسبة للغرب.

إلا أنه مما يجدر قوله أنّ تركيا في شتى مناطق الصراع مثل أوكرانيا والبحر الأسود وجورجيا وليبيا وشرق المتوسط وسوريا، على الرغم من أنها دفعت الولايات المتحدة نحو الهاوية إلا أنها لم يتمّ تحييدها بشكل كامل في نهاية المطاف، ما جعل البعض يذهب إلى نظرية التفاهم الصامت.

كما أنها في المقابل لم تسمح لروسيا تفوز في تحقيق مكاسبها الخاصة في العديد من المناطق، بل ولطالما كانت مصدر إزعاج لها، ليبيا وأرمينيا وجورجيا وأوكرانيا على سبيل المثال.

جميع ذلك كانت مبنيًّا على سياسة خارجية لم تركز على رقعة الشطرنج بشكل كامل، أكثر من تركيزها على مركزيتها الخاصة.

على الرغم من أنّ نتائج مثل هذه الخطط المصمّمة للمستقبل ليست واضحة حتى الأن، إلا أنها لا تزال تسير بشكل جيد إلى الآن.

على صعيد دعونا نذكر أنّ تعدد وعمق الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة، ساهم في إضعاف قبضتها أو سيطرتها على التحالفات أو اللعب ما بين التحالفات ذاتها. وهذا ليس بمثابة صدع عمره يوم أو يومين.. وإليكم بعض الأمثلة بما يفسح لنا المجال لاستعراضها..

تحدثنا في المقال السابق عن برلين على سبيل المثال، والتي تعد زعيم الاتحاد الأوروبي، من حيث كيفية أو ماهية موقفها إزاء العلاقات التي يجب أن تسلكها مع الولايات المتحدة. وذكرنا أنّ خط "نورد ستريم2 الذي من شأنه تعزيز اعتماد أوروبا على روسيا، بات محل نقاش فيما لو سيتم إكماله فعلًا أم لا، علمًا أن 95% من المشروع قد اكتمل بالفعل.

لا شك أن كلًّا من ألمانيا وروسيا يريدان إتمام ذلك، حتى أنّ ألمانيا قد اعلنت الأسبوع الماضي عن إخطار "نافتكس" في بحر البلطيق حيث سيمر الخط من هناك. ولم تتأخر الولايات المتحدة بإصدار ردة فعل تهديدية ضد ذلك التطور.

حيث علق السفير الأمريكي في ألمانيا روبن كوينفيل قائلًا؛ "أوقفوا مشروع خط أمابيب نورد ستريم2. الآن هو أفضل وقت كي تعلن ألمانيا وأوروبا عن إيقاف ذلك الخط، حيث سيكون ذلك إشارة قوية على رفض الموقف الشرير لروسيا". وليس من الغريب أن نقول بأن فكرة أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات على ألمانيا يجعل الأخيرة تعيش حالة حيرة وارتباك.

فنزويلا..

لا شك أن هذه الدولة التي تبعد كثيرًا عن الولايات المتحدة قد قاومت، والأحد الماضي أعلن مادورو فوزه في الانتخابات التي جرت هناك، بنسبة 70% من الأصوات، في الوقت الذي أعلن فيه زعيم المعارضة غويدو مقاطعة تلك الانتخابات. أما الولايات المتحدة فقد أعلنت عدم اعترافها بالانتخابات، وفي المقابل نجد الصين وروسيا والعديد من البلدان اتخذت موقفًا واضحًا معاكسًا لذلك.

هناك ملف حصار قطر.. السعودية التي أعلنت بمشاركة كل من مصر والإمارات والبحرين فرض حصار اقتصادي على قطر قبل ثلاث سنوات ونصف، نجدها الآن تحاول التخلص من هذا الوضع. إنها تقف بعيدًا عن "اتفاقية إبراهام"، حيث لا تريد أن تُرى وكأنها تسير وفق تعليمات من الإمارات، ولذلك تحدّ من علاقاتها مع إسرائيل وتزيد اتصالاتها مع تركيا. إنهم يشعرون بالخوف. بالطبع لم يعد هناك وجه لولي العهد كي ينظر به إلى أنقرة، إلا أنه يشعر بتخبط كبير من أن تقوم الولايات المتحدة باتفاق ما مع أحد أفراد العائلة الحاكمة بهدف إطاحة الملك المستقبلي.

هل لا تزالون تتحدثون عن جيوسياسية جديدة تتخذ من إسرائيل مركزًا لها في الشرق الأوسط؟ إذا لم تهلك تلك النظرية فلا شك أنها مُصابة.

أما إيران فلا شك أنها ستنتعش في عهد بايدن، لكن كيف سيؤثر ذلك على تنمية التهديدات الموجهة لإسرائيل والخليج؟

هل سيكون الوضع الجديد في القوقاز مناسبًا بالنسبة لروسيا وتركيا؟ هل ستكون الصين قريبة من باكستان؟ كل هذه الأسئلة لن تجعل الأمر سهلًا بالنسبة للولايات المتحدة.

يجب على الولايات المتحدة وأوروبا ترجيح الانضمام إلى اللعبة على صعيد العلاقات مع تركيا. ولتكن نصيحة من حليف!

+

خبر عاجل

#title#