أنفاس حاكيموف - طه كلينتش

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

خلال الأسبوع الماضي وبينما كانت عملية نبع السلام التركية مستمرة على وتر وساق، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارة هامة إلى السعودية. لقد وصف الكرملين هذه الزيارة بمثابة تحية بالمثل على تلك الزيارة الاستثنائية التي أجراها العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، إلى موسكو خلال 2017 المنصرم، حيث كانت زيارته هي الأولى من نوعها لملك سعودي إلى روسيا. لكن زيارة بوتين هذه هي الثانية، حيث سبق أن زار السعودية خلال العام 2007 وكانت أول زيارة له آنذاك. ومع متابعة لهذه الاتصالات بين البلدين على أعلى المستويات بشكل نادر، يكتسب الأمر خلفية مثيرة للنقاش تعود حتى عام 1930:

برزت الممكلة العربية السعودية على ساحة الشرق الأوسط، بعد اكتشافها للنفط في 3 مارس/آذار من عام 1938، حيث باتت تتمتع بثروة هائلة. بالطبع لم يكن هذا غائبًا عن أنظار الاتحاد السوفيتي والدول الأخرى. في أيلول عام 1938 أرسلت خارجية الاتحاد السوفييتي برقية إلى الملك عبد العزيز، تطلب فيها من الملك موعدًا لتعيين قنصل لها في قنصلية جدة التي كانت شبه خالية على مدار عام كامل. كان الجواب الذي أرسله الملك عبد العزيز يتضمن أنه لن يقبل غير كريم حاكيموف قنصلًا ممثّلا عن الاتحاد السوفييتي في جدة. لقد فهم السوفييتيون حينها ماذا يعني الملك من ذلك؛ وهو أن العلاقات بيننا قد انتهت. وعلى إثر ذلك، سرعان ما تم إغلاق البعثة الدبلوماسية في جدة بشكل دائم، وطرد جميع الدبلوماسيين الروس في السعودية، كما تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين موسكو والرياض.

لكن ردة الفعل التي اتخذها الملك عبد العزيز إزاء السوفييت حينها، تعود إلى حكاية مأساوية طالما كانت حبيسة الكتمان:

كان كريم عبد الرؤوفوفيج حاكيموف مسلمًا تتريّ الأصل، تم تعيينه من قبل الاتحاد السوفييتي قنصلًا ممثّلًا عنه في جدة عام 1924. وبعد أن استولى الملك عبد العزيز وجيشه على منطقة الحجاز، قام حاكيموف بنفسه بزيارة إلى الملك في 16 فبراير/شباط من عام 1926، وعرض باسم بلاده الصداقة والاحترام للمكلة الوليدة. وكان الاتحاد السوفييتي أول من اعترف رسميًّا بعبد العزيز ملكًا على الحجاز ونجد. وبما أنّ حاكيموف كان يتحدث العربية كلغته الأم ومسلمًا محافظًا، بات صديقًا موثوقًا لدى الملك خلال وقت قصير.

بعد إعلان الممكلة العربية السعودية بشكل مستقل عام 1932، تم تعيين حاكيموف سفيرًا للاتحاد السوفييتي في الرياض. وفي الوقت ذاته كان أيضًا قنصلًا للاتحاد في جدة، وبفضل علاقته الوثيقة وصداقته المتينة مع الملك عبد العزيز، ساهم حاكيموف في تخصيص امتيازات لمواطني السوفييت في المملكة. رافق حاكيموف عام 1932 الأمير فيصل بن عبد العزيز خلال زيارته إلى موسكو، وقام حاكميوف آنذاك بتعريف السوفييت على الملك السعودي القادم.

إلى جانب كونه ممثلًا لبلاده في السعودية، كان حاكيموف أيضًا صلة الوصل بين الاتحاد السوفييتي وبين اليمن آنذاك. لكن ودون سابق إنذار تم استدعاؤه إلى موسكو عام 1937. هرع مباشرة إلى موسكو حيث كانت زوجته وابنته هناك، كان يعتقد أنها دعوة روتينية بهدف الاستشارة، إلا أنه وجد نفسه مدعوًّا لاجتماع بمخيم في سيبيريا. تم اتهامه بالعمالة والتجسس من قبل زعيم الحزب الشيوعي جوزيف ستالين، وبتاريخ 10 يناير/كانون الثاني 1938، تم إعدام حاكيموف مع العشرات غيره، تحت تهم سياسية.

في تلك الأثناء كان الملك عبد العزيز يحاول أخذ خبر عن صديقه حاكيموف، حتى تمكن أخيرًا من معرفة مصيره من خلال مصادر دبلوماسية أوروبية، أخبرته أن حاكيموف تم قتله. ولما بات قتل حاكيموف خبرًا مؤكدًا، أعلن الملك عبد العزيز الذي كان حزينًا وغاضبًا حينها، أنه لن يقبل قنصلًا للسوفييت غير حاكيموف. كان في الواقع يحاول تأنيب موسكو.

لم يتمكن أحد من إصلاح ما تهدم من العلاقات السعودية-الروسية آنذاك، بعد أن قطعها الملك عبد العزيز سنة 1938، إلا عند انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1992. إلا انه على الرغم من ذلك لم يكن لتلك العلاقات أن تصل إلى المستوى الذي وصل إليه حاكيموف.

إن هذه القصة تكمن وراء الخطوات الحذرة والدقيقة التي يمشيها بوتين نحو السعوديين. بينما البلدان يحاولان تدفئة العلاقات بينهما على خطى هادئة، فإن كلًّا من الرياض وموسكو لديهما الأمل أن يحقق هذا التقارب الحديث بين البلدين، خلق قنوات للتواصل تفتح الطريق نحو تحالف معاصر. على سبيل المثال، علينا أن لا نتفاجأ لو تمكن بوتين من خطف مهمة إحلال السلام في اليمن عبر الوساطة بين السعودية وإيران.

إننا عندما نقارن بين بوتين الذي يتبع سياسة متعددة الأبعاد تهدف إلى حماية المصالح الروسية في الشرق الأوسط على المدى الطويل؛ وبين التناقضات السخيفة والمضحكة التي يتبعها ترامب في سياسته، فإن الصورة التي ستبرز أمامنا؛ ستعرض حقيقة لا جدال فيها وهي أن موسكو تمشي في نجاح واضح. وفي السياق ذاته تأتي الاتفاقية المبرمة في أنقرة حول سوريا مؤخرًا، حيث كانت نقطة سوداء أخرى تؤكد على تخبط ترامب.

+

خبر عاجل

#title#