امتحان الملك - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

شهدت منطقة "الناعور" جنوب غربي العاصمة الأردنية عمّان، حركة غير عادية منذ يوم الجمعة الماضي. حيث أصيب عدد كبير خلال الاشتباكات بين أنصار النائب البرلماني أسامة العجارمة الذي اشتهر بتصريحاته السياسية، وبين قوات الأمن. وفي المقابل أصيب 4 من عناصر الشرطة حسبما أعلنت السلطات الأردنية.

أصل هذه الحادثة الأخيرة التي تضيف بدورها أزمة جديدة لسلسلة الأزمات التي مرت بها البلاد مؤخرًا، يعود إلى الهجمات الإسرائيلية على القدس وغزة خلال شهر رمضان المنصرم.

في تلك الأيام، -لو تذكرون- تدفق آلاف الأردنيين نحو الحدود الإسرائيلية مع الأردن، مطالبين بفتح الحدود. وبالطبع السلطات الأردنية لم ترحب بهذا المطلب أو التحرك، بل نظر له بطريقة سلبية، ليتحول فيما بعد إلى مظاهرات احتجاجية في الداخل الأردني، ودعوات للتضامن مع القدس وغزة.

وهنا نعود لأسامة العجارمة، حيث كان أحد الأسماء البارزة في هذه العملية، وهو نائب برلماني انتخب عن منطقة "الناعور" عام 2020 الماضي. وهو من مواليد 1981، وأحد أفراد قبيلة العجارمة إحدى أقوى القبائل الأردنية، وقد اشتهر بتصريحه الذي دعا فيه الحكومة الأردنية لفتح الحدود، "افتحوا الحدود، ولنصلِّ العصر في المسجد الأقصى".

وفي الأيام التالية، زاد العجارمة من انتقاداته الصريحة والشديدة لسياسة الأردن إزاء ما يتعلق بإسرائيل، وطالب بطرد السفير الإسرائيلي في عمّان، واصفًا هذه الخطوة بأنها "أضعف الإيمان".

كما فسر العجارمة بقطع التيار الكهربائي عن الأردن لمدة 6 ساعات يوم 21 مايو/أيار بأنه "حدث متعمد"، وشدد على أنه لم يأل جهدًا لمنع التعبئة الشعبية ضد الحكومة بسبب انقطار الكهرباء. (وفي الحقيقة كان انقطاع المياه والإنترنت تلقائيًّا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وكذلك توقف شبه كامل لمحطات الوقود، جعلنا نعتقد أن العجارمة كان على حق فعلًا).

بالطبع تسببت هذه التصريحات المتتابعة بإزعاج الدائرة الملكية الحاكمة، مما تسبب بتجميد عضوية أسامة العجارمة في البرلمان الأردني لمدة عام واحد، اعتبارًا من 27 مايو/أيار الماضي.

إلا ان العجارمة قد حصل على دعم شعبيّ، من خلال إثارته للعديد من القضايا بشكل مستمر، بدءًا من عدم تصويبه لسلطة حل البرلمان التي يتمتع بها الملك عبد الله، وصولًا إلى مزاعم الفساد التي يتهم بها عددًا من السياسيين.

وأخيرًا، يوم الجمعة الماضي 5 يونيو/حزيران، أعلن أفراد قبيلة العجارمة والجماهير الداعمة لها، تمردهم بشكل صريح ضد حكم الملك عبد الله، حينما نزلوا إلى الشوارع في منطقة الناعور. وبينما اتخذت الأحداث بعدًا مختلفًا من خلال الكشف عن أن العديد من المتظاهرين كان بحوزتهم أسلحة، فإن خطاب أسامة العجارمة الذي التقى مؤيديه في المساء كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في نظر الملك وإدارته.

حيث خرج العجارمة بمسدس وسيف، قائلًا "عندما يزور الملك البرلمان، كنت أرغب أن ألقنه درسًا يعيد له شرفه السابق. كنت أود أن أقترب منه وأقول: أريد أن أقبلك في جبينك يا سيدي، أن أضع رصاصة بين عينيك، في منتصف جبهتك"، كان يقول ذلك بينما كانت الكاميرات تصوّر ذلك. بالطبع كان ذلك أكثر من تهديد عادي، بالنسبة لملك الأدرن الحالي الذي يحمل اسم جده الذي قتل إثر اغتياله عام 1951.

عقب ذلك، عقد مجلس النواب الأردني جلسة طارئة يوم الأحد الماضي، لإلغاء عضوية العجارمة بشكل تام من البرلمان الأردني. ومن بين 130 نائبًا شاركوا في التصويت، قال 108 نائب "نعم". وبينما كانت الجلسة معقودة لطرد العجارمة بشكل كامل من البرلمان، كانت قوات الأمن تقمع التظاهرات في الناعور، وقد اعتقلت عشرات الأشخاص.

لا شك أن المملكة الأردنية الهاشمية التي احتفلت بالذكرى المئوية لتأسيسها في 11 أبريل/نيسان الماضي، تعيش امتحانًا صعبًا. حتى وقت قريب، كانت التحليلات الصحفية العالمية تتضمن تقييمات تشير إلى أن الأردن نجح في أن يكون واحة استقرار عبر الخروج سليمًا من شتى الأزمات في الشرق الأوسط.

ولقد تمكن الملك عبد الله الثاني، الذي اعتلى العرش بعد وفاة والده الملك حسين عام 1999، من الحفاظ على أمن بلاده بفضل العلاقات الدافئة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وعبر دعم الأدرن سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. كما ساهمت الجبهة الغربية في تحويله إلى رمز للاستقرار في منطقة مليئة بالعواصف.

إلا أن المشهد الآن يوحي بأنه من الآن فصاعدًا قد دخلت مرحلة تشتد فيها الأزمات الداخلية في الأردن. ويبدو أن الأدرن مخيّر بين الاستسلام دون قيد أو شرط لكل من الإمارات والسعودية، أو التعامل بطريقة ما مع استياء شعبه. وإن أي قرار أو خطوة يمكن أن يتخذها ملك الأردن عبد الله لن تؤثر على بلده الصغير فحسب، بل على جميع التوازنات في الشرق الأوسط.

+

خبر عاجل

#title#