الاستشراق المحلي - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

ألمح خلال رحلاتي التي أقوم بها بين الفينة والأخرى لمناطق مختلفة من العالم الإسلامي، اهتمامًا ومتابعة عن كثب للتطورات في تركيا. بعض الناس يقومون بذلك بدافع مهني تفرضه عليهم ربما طبيعة المهنة التي هم فيها، لكن البعض الآخر يفعل ذلك من منطلق حبه وإعجابه بتركيا. وبالطبع هناك العديد من الأسباب التي تجعلهم يضعون تركيا محل اهتمام، لا سيما العلاقات السياسية بين الدول، والدراما التركية أيضًا المنتشرة في كل مكان.

أذكر أنني خلال زيارتي إلى اليمن قبل سنوات، التقيت بشخص أشبعني بالأسئلة التي تنتهي حول السياسة الداخلية في تركيا. على الرغم من أنه لم يكن يتمتع بتعليم خاص بل ينتمي لعامة الناس، لكن كان من الواضح من حديثه أنه كان مهتمًا للغاية بحركة "مييلي غوروش" (حركة الرؤية الوطنية وزعيمها الراحل نجم الدين أربكان). وفي الواقع وقفت عاجزًا أمام الإجابة عن بعض أسئلته.

وبالطبع يعتبر ذلك واحدًا من المواقف التي أعيشها خلال رحلاتي من البلقان إلى إفريقيا، ومن أوروبا إلى آسيا.

في الحقيقة يوجد أمامنا نوعان من تركيا وليس تركيا واحدة. الأولى هي تركيا التي تُرى من الخارج، والثانية هي تركيا التي نعيش فيها. أما تركيا التي يُنظر لها من الخارج ومن بعيد وبشكل عاطفي، فإنها تضع مسؤولية على عاتقنا وتجعلنا نشعر بالخجل إزاء عظمة هذا الحب العذري. أما تركيا التي ينظر لها البعض من الداخل بعيون استشراقية، فهي تبدو لهم قاحلة، مصممين على سد آذانهم غير آبهن بالتطور الإيجابي الذي تحققه.

في الواقع يبدو أن بعد نظر من في الخارج، وقصور نظر من في الداخل، يقول لنا بأن الجميع يتصور تركيا خاصته في عقله وقلبه ويعكس ذلك للناس عبر لسانه.

لقد كتبت مقالًا سابقًا في الواقع حول تركيا التي يُنظر لها من الخارج. لكنني اليوم سأخصص مقالي لمستشرقي الداخل الذين ينظرون إلى بلدهم وكأنهم أجانب، وذلك في سياق حدث مهم.

من المعلوم أن الانتخابات التي أجريت مؤخرًا في المغرب، تمخضت عن خسارة حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي حظي بتشكيل الحكومات على مدار 10 سنوات كشريك أساسي في الحكم، لم يخسر فحسب بل تراجع إلى المركز الأخير. وفي المقابل حصل حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة رجل الأعمال الملياردير عزيز أخنوش الذي كان يشغل منصب وزير الرزاعة في الحكومة المنتهية ولايتها، على المركز الأول بـ97 مقعدًا من أصل 395 مقعدًا. تلاه حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة عبد اللطيف وهبي بـ82 مقعدًا. ثم حزب الاستقلال بزعامة عباس الفاسي في المركز الثالث بـ78 نائبًا. أما العدالة والتنمية المغربي فقد حل في المركز الأخير بـ12 نائبًا فقط.

كان هذا التطور مهمًّا للغاية، وكما انعكست أهميته في إجزاء مختلفة حول العالم، انعكس بالمستوى ذاته في تركيا كذلك، عبر بعض مؤسسات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. ورأينا عناوين مختلفة سلطت الضوء على هذا الحدث، من قبيل؛ "عدالة وتنمية المغرب يتعرض لهزيمة"، "الإسلاميون يدفنون في صناديق الاقتراع"، "حزب في المغرب اسمه مثل اسم الحزب الحاكم في تركيا يرحل عن عالم السياسة"، إلخ.

من المعلوم في الواقع أن حزب العدالة والتنمية المغربي تأسس عام 1967، وأن جميع الخيوط بيد الملك محمد السادس بحكم طبيعة النظام السياسي القائم في المغرب، وبالتالي لا يمكن للحكومة ولا الوزراء التصرف بشكل مستقل عن الملك، إضافة لذلك جاءت الانتخابات في ظل ظروف اقتصادية صعبة بسبب التأثيرات التي فرضها فيروس كورونا كما هو الحال في جميع انحاء العالم، هذا فضلًا عن أن العدالة والتنمية لم يحظ هذه المرة بالدعم الملكي، الذي حظيت به بقية الأحزاب التي صعدت إلى القمة خلال هذه الانتخابات، وهي أحزاب أسستها الأوساط الملكية بالمناسبة، وحظين بالدعم الملكي بكافة السبل.

هذا المشهد كان نوعًا من الشماتة بنظر شريحة معينة، وهي الشريحة ذاتها التي فرحت بقرارات الرئيس التونسي قيس بن سعيد وانقلابه الذي أعلنه في منتصف الليل واستولى به على سلطة الحومة الشرعية المنتخبة، ونظرت لذلك الانقلاب على أنه "صفعة لحزب النهضة الإسلامي"، وهي الشريحة ذاتها التي قالت عن الذين أعدموا من الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، أنهم "إرهابيون استحقوا جزاءهم"، وهي الشريحة ذاتها التي تحاول من كل هذه الأحداث أن تجعلها درسًا لتركيا.

إن النظر إلى حدث ما حصل في بلد آخر ضمن ظروف خاصة بطبيعة وسياسية ذلك البلد، من خلال التعميم المنحرف، ومحاولة تشبيهه بالسياسة الداخلية في تركيا، من أجل الشعور بنشوة النيل من العدو السياسي في الداخل، لهو اضطراب عقلي وسلوكي خطير بات يعاني منه مستشرقو الداخل لا محالة.

إن الاستشراق المحلي هو آفة ابتلينا بها منذ نحو 200 عام. ومن خلال النظر في المتغيرات التي ظهرت مؤخرًا يمكن رؤية عداء واضح للإسلام والمسلمين. ولعمري ستكون هذه نغمة تكون أكثر كثافة على أجندة الأجيال القادمة. ولذا فمن اللازم أن تتم الاستعدادات العقلية وفقًا لذلك.

+

خبر عاجل

#title#