على الطريقة البريطانية - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

في عدد يوم أمس من جريدتنا، قرأنا الخبر التالي:

"لقد ضمّ "رئيس الوزراء الأسترالي"، "أنتوني آلبانيز" وزيرين مسلمين إلى الحكومة الجديدة التي قام بتشكيلها، وهما، "إد هوسيك" المنحدر في أصله من "البوسنة" و"الهرسك"، والمسلمة من أصل "مصري" "آن علي"، حيث باشر كلاهما وظيفته بعد تأدية اليمين على "القرآن الكريم" ضمن حفل مخصص، ليبدأ بعدها "هوسيك" عمله في إدارة "وزارة العلوم والصناعة"، وتستلم "آن" منصبها في "وزارة التربية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والشباب" ".

ليس من الوارد أن يكون تعيين هذين الوزيرين في مثل هذه المناصب، وأداؤهما القسم على "القرآن الكريم"، من قبيل المصادفة لا أكثر، على اعتبار أن أهمية حدث كهذا يتخطى حدود "أستراليا" وحدها، إلى إمكانية أن نستشّفَ من خلاله تطوراً يُبيّن أبعاد العلاقة البريطانية مع الإسلام والمسلمين.

"بريطانيا العظمى" التي بدأت في حجز مكانتها بين دول العالم مع بداية القرن الثامن عشر، سرعان ما تحولت إلى "إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس" مع بداية القرن التالي.

بدأت "انجلترا" التي سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي في مختلف القارات، بإدارة شؤون ملايين المسلمين المقيمين في تلك المناطق أيضاً، إذ، بخلاف باقي الدول حينها، من أمثال "فرنسا، هولندا" وحتى "البرتغال"، الذين انطلقوا في سباقهم الاستعماري، اعتمدَ "التكتيك البريطاني" نهجاً وأسلوباً مختلفاً مع رعايا الدول التي سيطروا عليها بفتحهم مجالاً لشكل من أشكال الحوار معهم دون إغفال عملية الاستغلال الكاملة لجميع امكاناتهم ومواردهم، فكانت من نتائج هذه السياسة المطبّقة في العديد من المجالات، ظهور شريحة واسعة من المفتونين والمغرمين بـ "لندن" في معظم المناطق الجغرافية التي وطأتها أقدام البريطانيين، هذا إلى جانب من سعى لتوطيد العلاقات وبناء شراكات ودّية أكثر مع الإمبراطورية، وهو ما يفسّر، ربما، عدم تذكّر الناس لـ "بريطانيا" بنفس مستوى الكراهية التي يتم فيها تذكر باقي الدول الإستعمارية من الحقبة ذاتها، كـ "فرنسا" و"هولندا".

هذه السياسة التي اتبعتها بريطانيا في فهم الإسلام والمسلمين أو بهدف تحقيق مصالح الإمبراطورية، لم تتوقف أو تتباطأ يوماً، بل نجدها، حتى تاريخ اليوم، ساعية أكثر إلى توثيق الروابط معهم في محاولة لكسبهم في صفّها، ولعلّ ضمّ وزيرين مسلمين إلى مجلس الوزراء، ما هو إلاّ انعكاس لهذه السياسة.

كذلك، لا يمكن نسيان موقف السفير البريطاني في "السودان"، "عرفان صدقي"، عام 2019، الذي لم يكتفِ بدعوة المارّة إلى مائدته الرمضانية بمنزله في "الخرطوم"، بل قام بإمامتهم أيضاً في صلاة المغرب.

إلى جانب أنّ استلام المسلمين لمناصب هامة، كما هو معلوم، لم يقتصر على جغرافية أو مناطق بعيدة ونائية فحسب، بل وصلت إلى قلب "المملكة المتحدة" أيضاً، وعمدة "لندن" المسلم "صادق خان"، خير مثال يمكن ذكره.

لكن في المقابل، سيكون من الصعب تصوّر أن يجلس مسلم في "فرنسا" على مقعد رئيس بلدية "باريس" مثلاً، بحسب ما تشير المعطيات والظروف الحالية.

المقال الذي نشرته في هذا الباب، السبت الفائت 28-05-2022، بعنوان "وزير لبناني"، أوضحت فيه الفترة التي: " تولى فيها الذين يحملون أسماء من أصل إسلامي لمناصب وزارية في فرنسا".

لكن الملفت للإنتباه هنا، هو أنّ الأسماء التي تم اختيارها، هم أنفسهم كانوا غير متصالحين مع أصولهم، كما لم تخفِ بعض تلك الأسماء معاداتها العلنية للإسلام، ولعل هذا، يعكس أيضاً العقلية الفرنسية وشكل علاقتها مع الإسلام والمسلمين.

"أما بالعودة للتوجه البريطاني سالف الذكر، فقد لعب دوراً بارزاً في ظهور العديد من الطوائف والمذاهب الجديدة، غير المعلنة، بين المسلمين أنفسهم، إذ من الصعب قبول مبدأ "المصادفة" في أن العديد من الحركات الدينية المتطرفة، أو الدعوات إلى ديانات بشرية جديدة ضمن حدود "العالم الإسلامي"، والتي ولدت وتنامت في المناطق الجغرافية التي كانت تحت سيطرة "بريطانيا العظمى" ".

هذا، ولا يغيب عن ذهننا بروز تقارب العلاقات بين "العالم الإسلامي" و"لندن"، في الاحتفال بالذكرى السبعين لتولي الملكة "إليزابيث الثانية" للعرش.

الملكة التي لازالت على عرش "بريطانيا"، منذ عام 1952، دون انقطاع، أخذتْ حيّزاً مهماً من اهتمام الجمهور المسلم، حالهم في ذلك كحال البريطانيين أو الغرب، فنرى المتابعة النهمة لكافة تفاصيل الحياة الطويلة التي عاشتها الملكة، 96 عاماً، والطريقة التي تتمّ فيها طرح مستجداتها، سواء أكان ضمن سياق السياسة أو التاريخ الحديث أو حتى عبر صفحات المجلات المهتمة بتتبع أخبار الفن والمشاهير، ولعل المزج بين "السياسة" و"أخبار المشاهير"، من أكثر الأمور التي أثارت اهتمام المتابعين وزادتْ من رغبتهم في المتابعة، فامتلأت الأرجاء بصور وأخبار "اليوبيل البلاتيني" للملكة التي أصبحت الشغل الشاغل لكافة وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، مما يشير أيضاً إلى مدى الإهتمام العالمي بالأنظمة الملكية، ذاك الإهتمام الذي من الواضح أنه لازال حيّاً بين شعوب الشرق والغرب على حدّ سواء.

لكن ما يتبادر إلى الذهن بهذا الصدد، هو التساؤل حول إن كان المنظرون العاملون على صياغة العقلية البريطانية الحالية، قد اطلعوا بالفعل على المبادئ التي أبقت "الإمبراطورية العثمانية" شامخة على مدى 600 قرن؟، هل تراهم بحثوا في شكل العلاقة التي بنتها الإمبراطورية حينها مع رعاياها؟.

حقيقة أنّهم، في بعض الجوانب، يطبقون ذات المبادئ والأسس… بحذافيرها….لا يترك مجالا للتفكير إلاّ بذهابه في ذاك الإتجاه.

+

خبر عاجل

#title#