نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

هل يستطيع عابدو السيسي رسم صورة الحرية؟

سأقول دعونا نتسلى قليلًا اليوم، لكني سأتراجع عن هذه الفكرة لأنّ للمسألة جانبًا مبكيًا بقدر جانبها المضحك. فالمستوى الذي وصل إليه العقل والإدراك والشخصية لا يدع فرصة للمرء ليضحك.

دعونا داخل تركيا نواجه العقليات التي تقول "لو كان أردوغان قد شرب كأسًا من البيرة لكانت الدنيا مختلفة تمامًا"، لا سيما وأنّ هناك حملة لا هوادة فيها تقودها جيوش العناصر المجندة لصالح السعودية والإمارات عقب واقعة خاشقجي على وجه الخصوص ضدّ تركيا وأردوغان وضدي شخصيًّا وصديقي العزيز الصحافي توران كشيلاكتشي.

ويبدو أننا حتى لو استسلمنا أنهم لن يدعونا وشأننا، فهم لا يتورعون عن تعقبنا، ولا يهمهم سياق أيّ شيء. إنهم يركزون على أيّ كلمة أو عبارة يستطيعون استخدامها. ولهذا فهم يتابعون كلّ شيء عن كثب. بيد أنهم في كل مرّة ظنوا أنهم نجحوا في اصطياد شيء لم ينجوا هم أنفسهم من الصيد، لكن ما الفائدة؟ أو ليس كل ما يملكون هدية لأسيادهم؟ فلا فرق بين هذا وذاك.

لقد رأيناهم كثيرًا وهم يشتكون تركيا لأسيادهم الغربيين الليبراليين العلمانيين عن طريق اتهامها بالإخوانية وتبني الإسلام الراديكالي ومحاولة إحياء الخلافة. وماذا تعني كلمة كثيرًا؟ أي أنّ هذا هو أكثر ما يروجون له. ولهذا فإنّ أيّ شيء ستقولونه لن يغير شيئًا حتى لو قلتم "لم نطمح أبدًا بإقامة الخلافة، فتركيا دولة قانون علمانية – ديمقراطية وليس لها علاقة بالإخوان". فلن تستطيعوا تغيير قناعاتهم التي تخطت التفكير المنطقي وصارت جزءا من آلية كلامية تعمل دون تفكير ولا تتأثر أبدًا بالعوامل الخارجية.

وأعتقد أنّ ثمة واقعة حدثت قلبت كيان هذه الآلية رأسًا على عقب، فجاءت إشارة جديدة من مكان آخر لهذه الأفواه. فأولئك الذين لطالما اتهموا تركيا بالإخوانية أو تبني فكر الإسلام الراديكالي تغير كلامهم 180 درجة وبدؤوا يشتكون تركيا للإخوان، أو بالأحرى يتهمونني أنا شخصيًّا، بعدم تبني الفكر الإسلامي كما يجب، بل إنهم زعموا أنني أبعد تركيا عن الإسلام بالكلية.

إنه حملة جديدة بدأت تتحرك من مكان ما. فبعضهم يوجه مثل هذه الانتقادات، فيما يطلق البعض اتهامات من قبيل "تحليل الحرام وإحداث دين جديد".

وأما العبارات التي استغلوها لاتهامي فكانت ما قلته في برنامج محمد ناصر المذاع على قناة مكملين قبل أيام قليلة. كان مقدم البرامج الناجح محمد ناصر قد طرح عليّ سؤالًا عما إذا كنت أعتقد، بصفتي شخصًا مسلمًا، بضرورة إغلاق الملاهي الليلية التي يختلط بها الرجال بالنساء ويعاقر فيها الخمر أو حظر مثل هذه الأوضاع التي تنافي الثقافة الإسلامية، وذلك في مقابل المواقف العظيمة التي تظهر بها تركيا وتحظى بالكثير من التقدير في العالم الإسلامي.

وبطبيعة الحال كان جوابي الفوري هو "لا"، ثمّ حاولت بشتى الطرق أن أشرح أنّ تركيا دولة علمانية، وأنّ فهمنا للعلمانية قبل أيّ شيء هو حرية الأفراد، وأنّ حرية الأشخاص الذين يترددون على مثل هذه الأماكن لم تمس حتى اليوم، وأننا لا نفكر بمسها أبدًا مستقبلًا.

ولا شك أنّ نظرتي الشخصية للخمور أو هذا النوع من الأساليب الحياتية ليست منفصلة عن عقيدتي. فالخمر هو أم الكبائر وحرام بشكل قاطع. لكن اعتباري للخمر حرامًا لا يتطلب أن أجبر الآخرين على اعتباره كذلك.

وحتى إن اعتبرت أن أسلوب الحياة هذا ليس أسلوبا جيدًا، بل وتمنيت لهم أسلوب حياة أفضل منه واستخدمت حقي في التوصية والتعبير اللازم (النصيحة)، فإن الآخرين لهم الحق في اختيار العيش وفق هذا الأسلوب والمطالبة بعدم الاستماع لنصحي. ولا يسعنا أن نفعل شيئًا، من الناحية القانونية أو الدينية، في مواجهة أمر كهذا.

وأما وسائل إعلام نظام السيسي فقد استغلت كلامي هذا وأخذت تشتكيني للإخوان من ناحية، ومن ناحية أخرى بدأت تقدمني للمتدينين الذين يمكن أن يتعاملوا بحذر مع الإخوان بقولها "انظروا إلى الدين الجديد الذي تدعيه تركيا الإخوانية التي تسعى لإعادة الخلافة. فهم يحللون الحرام والخمر والزنا!"

ولا شك أنّ كلامي لم يتضمن أبدًا أي عبارات قريبة من هذا الكلام. وحتى كلامي الذي اختزلوه من سياقه واستغلوه كدليل لزعمهم لا يفيد بشيء كهذا. ولا ريب أننا لا ولن نتفوه أبدًا بأيّ عبارة يمكن أن تفسر على أنها تحليل للزنا أو الخمر. فكون شيء حرامًا من الناحية الدينية شيء وكونه محظورًا من الناحية القانونية شيء آخر. فليس هناك شيء اسمه أن تحظر الدولة كل شيء يحرمه الدين.

فالمؤمنون يتجنبون الأشياء التي يعرفون أنها حرام وتوفر لهم الإمكانيات اللازمة ليتجنبوها، أو لا يتجنبوها فيتحملون وزرها، أو أن تكون لهم وجهات نظر أو تفسيرات مختلفة حول كونها حرامًا.

هذا فضلًا عن أنّ جميع مواطني دولة كتركيا ربما لا يكونوا يتبعون المفهوم نفسه حول الحلال والحرام، وهم كذلك فعلًا. فهناك المواطن المسلم والمواطن غير المسلم، كما أن هناك اختلافات كثيرة بين المسلمين أنفسهم. وهناك من يعتبر أنّ أوامر الإسلام لا تلزِمه أو أنه يتبع مذاهب أخرى. وليس من بين مهام الدولة في تركيا أن ترسم حدود الحلال والحرام وأن ترغم الناس على قبول هذه الحدود.

فالأصل في المسألة هي الحريات، ليست للمتدينين فحسب، بل لكل الناس، وبطبيعة الحال فإنّ هذه الحريات تكون سارية المفعول حتى حدود حرية الآخرين.

فبخلاف أنّ شرب الخمر حرام في الإسلام، فإنّ العلم أثبت ضرره على صحة الإنسان، ولهذا فإنّ الدولة في تركيا تتحمل مسؤولية حماية الشباب من الخمور، وهي بالفعل تقوم بذلك في سياق القوانين.

لكن بخلاف ذلك لا يستطيع أحد أن يعترض، بل لا بد ألا يعترض، على معاقرة الأشخاص البالغين للخمر بإرادتهم الحرة، بالتأكيد دون تشجيع الشباب الأصغر سنًّا على ذلك. وهذا لا يعني تحليل الخمر، فنحن لا نوصي أحدًا بشرب الخمر، لكن لا نتدخل في عمل من يشربه بعد نقطة محددة.

ولا شك أننا نطلق لفظ "الحرية" على العبيد المتطوعين للمال والخوف في دولة نظام استبدادي يسحق إرادة جميع البشر! ونعلم جيدًا أنه من الصعب عليهم فهم هذا الأمر حتى لو أرادوا ذلك. فهل يستطيع عابدو السيسي أن يرسموا صورة الحرية؟

لكن علينا أن نقول، حتى لو لم يفهموا، إن الحرية هي أهم مبادئ الإسلام، بل إنها أساس كل تصرف أخلاقي.

إنّ المحرومين من الحرية ليس لديهم مسؤولية أخلاقية بطبيعة الحال، لكن هذا يعتبر مبدأ لا يشمل أولئك الذين تنازلوا عن حريتهم بمحض إرادتهم.

لا يوجد في الإسلام شيء اسمه إجبار، فمن أبرز مبادئ الإسلام هو أنّ لكل إنسان دينه.

بيد أنّ الجانب التراجيدي والكوميدي في هذه المسألة هو ميل إعلام السيسي والإعلام الإماراتي للتفسير الشرعي لكلامنا الذي قلناه. وأعتقد أننا لو أطلنا الكلام أكثر من ذلك فإنهم سيتحولون إلى إسلاميين راديكاليين يكفروننا...

+

خبر عاجل

#title#