نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

"ماذا تريد أمريكا منا وماذا نريد منها؟"

"عندما نتوجه بتحليلات نقدية إلى أصدقائنا في الولايات المتحدة من المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان حول ما يحدث في بلدان الشرق الأوسط، لا سيما مصر، فإننا لا نريد أن نفهم خطأ بأن ما نرغب به هو إقدام واشنطن على تدخل جديد في منطقة أو دعوتها لإيجاد ودعم شركاء جدد لمواجهة الأنظمة المستبدة التي دعمتها حتى يومنا هذا.

لا يخفى على أحد أن ما دعمته الولايات المتحدة في بلادنا حتى يومنا هذا هم الحكام المستبدين وأشرس أعداء الديمقراطية، وهو ما شكل أكبر عائق أمام تطوير الديمقراطية في بلادنا. ولهذا السبب تحديدا فقد تعودنا على أن تحظى الموافقة والدعم الأمريكي برغبة كل الانقلابيين والمرشحين ليكونوا حكاما مستبدين ممن يريد الوصول إلى السلطة في الشرق الأوسط.

لكن ما نقوم به في هذا المقام لا يندرج أبدا تحت بند التقدم بعرض لتغير الولايات المتحدة شركاءها وتبدأ بدعم الشعوب بدلا من الأنظمة الاستبدادية، بل ما نريده منها فقط هو تراجعها عن دعم أعداء الديمقراطية في بلادنا وتجنبها التدخلات التي تعيق تطور الديمقراطية التي تتطور بالفعل بأي حال في بلدنا. وإلا فإن شعوبنا لو تركت لحريتها، فإنها – بالفعل – تسير على طريق تحقيق مطالبها الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والشرف والحرية.

غير أن أكبر عائق يقف في طريق هذا النوع من المطالب التي زادت وتسارعت وتيرتها كثيرا مؤخرا هو الدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية الأخرى للقوى المعادية للديمقراطية".

تعتبر هذه العبارات مختصرا لما كررته أنا وكل من عالم السياسة المصري الشهير د. سيف الدين عبد الفتاح وزعيم حزب غد الثورة الليبرالي المصري أيمن نور خلال الندوة التي استضافتها إسطنبول يوم السبت الماضي وحملت عنوان "السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: الرؤى والتحولات". وكانت الندوة قد نظمت بالتعاون مع مجتمع مؤسسات الفكر الاستراتيجي و National Interest Foundation الأمريكية التي كان جمال خاشقجي يشارك في أنشطتها ويلقي الكلمات بها. ولقد كانت فعالية جمعت الكثير من الأسماء المهمة التي شاركت من الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط، كما كانت مثالا فريدا لم نر مثيلا له منذ فترة طويلة بشأن جعل الولايات المتحدة تتحدث.

فعلى سبيل المثال حضر الندوة أسماء مثل الصحافية كارين عطية إحدى أقوى صحافيات جريدة واشنطن بوست، وهي في الوقت ذاته محررة مقالات جمال خاشقجي الذي لعبت دورا محوريا كي تحظى قضيته بدعم صحيفتها والرأي العام الأمريكي، والرئيس العام الأسبق للحزب الجمهوري مايكل ستيل، والعضوان السابقان بالكونغرس جيمس موران ونيك راهال، ودوغ باندو من هافنيغتون بوست، وخالد الجندي من معهد بروكينغز، ورئيس تحرير جريدة المجتمع الكويتية محمد الراشد، وعبد الله السحجي من جامعة الكويت. وقد أدار الندوة من تركيا كل من د. طلحة كوسه، ود. بيلجاهان أيك، ود. حقي أويغور، وأ.د. محي الدين أتامان. وشهدت الندوة حضورا كبيرا؛ إذ ناقش الحاضرون السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في 6 جلسات.

وأما القضايا الأساسية التي شكلت أجندة الندوة فكانت قضية جمال خاشقجي، تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الإعلان الرسمي لإلحاق هضبة الجولات السورية بإسرائيل التي تحتلها منذ عم 1967، مواقف واشنطن إزاء ما يحدث مؤخرا في الشرق الأوسط بوجه عام ومصر بوجه خاص.

وكان من المثير في هذه الندوة أن نرى كل المشاركين من دول شرق أوسطية وهم يؤكدون أنهم لا يرغبون في الحصول على دعم الولايات المتحدة، وكان ذلك على عكس المتوقع أن يشددوا على أهمية الرسالة التقليدية التي تشير إلى الدعم الأمريكي للقوى الديمقراطية في الشرق الأوسط.

إن الآليات السوسيولوجية لشعوب الشرق الأوسط تضغط – في الواقع – باتجاه تطور يسير نحو الديمقراطية وانتشار الحريات. ويكفي ألا تلقي الولايات المتحدة بظلالها على هذه الوتيرة.

تهتم فيه الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي كثيرا بالديمقراطية على أراضيها، إلا أنها – مع الأسف – تسعى على الفور لوأد أي تطور تراه يتعارض مع مصالحها إذا ما تقدمت الديمقراطية لدى المجتمعات الإسلامية. وهي لا تكتفي بذلك، بل تواصل إقامة مراكز العلوم الاجتماعية التي تدرس سبب فشل تطور الديمقراطية في العالم الإسلامي وتكرر السؤال الذي يثير هذه القضية لدى الرأي العام.

ليس لدينا ما ننتظره من الولايات المتحدة التي ينبغي لها أن تعلم أن سياستها الحالية في الشرق الأوسط لا تصب في مصلحتها كذلك. ذلك أن الشرق الأوسط أكبر بكثير من إسرائيل كم تعتقد واشنطن، ولهذا فهي تضع تل أبيب في مركز كل سياساتها هناك. فالشرق الأوسط ليس عبارة عن إسرائيل التي عندما تتلقى كل غضب شعوب الشرق الأوسط ستسقط لا محالة، كما أنها ستجر كذلك معها الولايات المتحدة إلى الهوة التي ستسقط بها.

بيد أن السؤال الذي طرح بوش الابن مباشر عقب هجمات 11 سبتمبر لا يزال قائما ليرشد الولايات المتحدة من أجل تصحيح رؤيتها، وهو السؤال الذي مفاده: لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟ غير أن سبب هذه الكراهية لم يكن غريبا؛ إذ إن اختزال واشنطن كل سياساتها في الشرق الأوسط في سياق أمن إسرائيل ومصالحها يدمر من الآن مستقبل الولايات المتحدة في المنطقة بالكامل.

إن الولايات المتحدة تضحي في سبيل إسرائيل باتساقها وكل سمعتها ومكانتها بصفتها قوى عالمية تسعى لحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، كما أنها لا تدع الفرصة لأحد بأن يتخذها حليفا له يثق به.

لكن نسينا أن نقول إن الأنظمة الاستبدادية، التي تبدو في الظاهر أنها تدعمها، تتظاهر وكأنها حليفة مقربة من الولايات المتحدة، ذلك أنها تدين بوجودها للدعم الأمريكي. لكن على واشنطن أن تعلم جيدا أن هذه الأنظمة الاستبدادية لن يكون لها مستقبل في المنطقة، كما أنها – أي واشنطن – لن تحصل على أي فائدة من التظاهر بالتعاون معها.

هذا فضلا عن أن الولايات المتحدة تكون قد شاركت في كل الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها تلك الأنظمة التي تحظى بالدعم الأمريكي، وهو ما يجلب المزيد من الكراهية للولايات المتحدة التي صارت لهذا السبب تحديدا على وشك الفقدان الكامل لمكانتها الأخلاقية المتألقة بصفتها قوة عظمى. ومما يشير بوضوح إلى هذه النقطة نذكر أنها فقدت صفتها كمركز للآمال والتوقعات الخاصة بالديمقراطية أو القيم المعاصرة.

وباختصار، فإن إسرائيل تكبد الولايات المتحدة الكثير من الخسائر، بيد أن الأخيرة – للأسف – ليست حتى مدركة لهذه الحقيقة.

+

خبر عاجل

#title#