الإيمان والاستراتيجية والتكتيك وتداول الملك (دروس من قصة طالوت وجالوت 5) - ياسين اكتاي

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

الإيمان والاستراتيجية والتكتيك وتداول الملك (دروس من قصة طالوت وجالوت 5)

مواجهة العدو بدون أي تدابير أو وضع أي حساب أو تكتيك أو استراتيجية...

محاولات من ليس لديهم الصبر وقدرة التحمل على مواصلة هذا الطريق لنهايته لجهلهم بالتكتيك والاستراتيجية أو لعدم تمتعهم بالعقلية أو الجهد الذي يتطلبه هذا الأمر، محاولاتهم للإقدام على إنجاز أمور تفوق طاقتهم ثقة منهم فقط بإيمانهم المجرد..

وإذا كان ما سأقوله به بعض الفكر الاستشراقي، فإن هذا الأمر لا يرى سوى لدى أهل الشرق وربما يعتبر واحدا من أهم أسباب جميع الهزائم التي حدثت خلال عدة قرون مضت.

وتشير الروايات إلى أن طالوت خرج في تلك الرحلة ومعه جيش مكون من 80 ألف فرد على الأقل، لكن الاختبارات التي تعرض لها هذا العدد أفضت إلى تقلص عدد الجيش إلى نحو 310 أفراد. وأما الشيء الذي يعلمنا إياه مواجهة طالوت بهذا العدد الضئيل جيش جالوت الجرار ليس بطبيعة الحال التوكل على الإيمان فقط وخوض معارك غير متكافئة دون اتخاذ أي تدابير.

وهل كان إيمان من هزموا في غزوة أحد ناقصا؟ وأما المسلون في غزوة بدر فقد انتصروا في مواجهة جيش الكفار الذي كان يفوقهم عددا بقوة الإيمان إلى جانب التكتيكات الناجحة التي نفذوها. لكن مهما كان مستوى هذه التكتيكات، فإنه عندما يبالغ المؤمنون في تقدير عدوهم من الناحية العددية فإنهم يكونون بذلك قد قللوا من قدراتهم وخطوا أولى خطواتهم نحو الهزيمة.

كان المسلمون قد فزوا في الجولة الأولى في غزوتي أحد وبدر بعدما هزموا عدوهم في أعينهم أولا. فالعدو الذي كان يفوقهم أضعافا في العدد بدا أمامهم وكأنه أقل منهم عددا. بالضبط كما خرج جيش طالوت في مواجهة جيش جالوت مع عدم وجود أي نسبة وتناسب بين القوتين من ناحية المعايير المادية، فأظهر المسلمون رد فعل مماثل لأول رد فعل ظهر به طالوت وجنوده في هذه المعركة.

"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (البقرة – 250)

ولقد كان هذا الدعاء ووجهة النظر والثقة والإيمان بالله أول وأهم شرط لتحقيقهم النصر. فلقد حصلوا على مرادهم، لكنهم لم يكتفوا بذلك، بل اتخذوا ما يلزم من تدابير. ولقد آمنوا بأنهم قادرون على الانتصار على عدوهم بإذن الله حتى لو كانوا أقل منهم عددا. ولهذا فقد أدركوا أنه لا محالة ثمة تكتيك يتناسب مع هذا الوضع وأن عليهم أن يبحثوا عنه ليجدوه. فدرسوا عدوهم وعلم طالوت أن أهم نقطة ضعف يعاني منها جنود عدوه هي ارتباطهم أكثر من اللازم بجالوت. فأدرك أنه إن أسقطوا جالوت فإنهم سيهزمون جيشه، وهو ما عمل على تنفيذه. وهي الطريقة التي كانت أكثر منطقية بدلا من مواجهة جيش كامل. فبحث وسط جيشه عمن يستطيع استهداف جالوت قائد جيش العدو، ووعد من يستطيع فعل هذا بأن يتنازل له عن ملكه ويهبه ابنته.

ولقد كان داوود هو ذلك الشخص. وكان داوود معروفا بمهارته في إصابة الأهداف بدقة عالية باستخدام المقلاع. وفي بداية المعركة، وقبل أن يتعرض طالوت وجنوده لخسائر فادحة، استهدف داوود جالوت من وسط جبهته التي كانت المكان الوحيد المكشوف في جسده الذي كان محميا من كان جانب بالدروع، فأرداه قتيلا. ولقد أدى موت جالوت إلى حدوث تصدعات في جيشه الذي تفرق بعد ذلك. (المعنى الاشتقاقي لكلمة "فهزموهم" التي تعبر عما حدث تجعلنا نرسم الصورة بالضبط بهذه الطريقة)

"هَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ" (البقرة 251)

ونفهم من ذلك أن داوود حصل على الملك الذي وعده به طالوت لنجاح في تلك المهمة. لكن لا نعلم بالضبط ما إذا كان صبح خليفة لطالوت فورا أم بعد مرور بعض الوقت؟ أم تولى منصب ولي العهد لفترة أولا؟ فهذا ليس واضحا، لكنه – في الواقع – ليس مهما لهذه الدرجة، بل المهم هو كيف ارتقى داوود إلى هذه الزعامة، ذلك أنه سيمثل لاحقا واحدا من أندر نماذج القيادة العالمية القوية والعادلة، بل أنه سيوسع نطاق هذه القيادة لاحقا ليسلمها إلى خليفته سليمان.

إن الزعامة الحقيقة تأتي عقب نجاح يؤيده الناس ويقابلونه بالتقدير والشكر. والأدهى من ذلك أن هذا النجاح هو قتل جالوت بحجر مقلاع واحد في حين كان ذلك القائد القوي قد حقق الكثير من الانتصارات دون هزيمة في مواجهة أقوى جيش العالم آنذاك وغزا العالم بحكمه وظلمه.

لا شك أن هناك الكثير من المعجزات حتى في أبسط الأمور، لكن ليس هناك أي معجزة تفوق هذه البساطة في هذه الواقعة بالمعنى الذي نعرفه. فكل شيء حدث في سياق التدابير اللازمة. فمهما كان جالوت قويا ومحميا فكان له بكل تأكيد جانبا ضعيفا استغله داوود لاستهدافه وقتله.

واليوم فإن الذين ينسبون أنفسهم لداوود عليه السلام يلعبون دور جالوت؛ إذ يحتمون بأقوى الأنظمة الدفاعية والدروع، مثلما فعل جالوت، لكي يظلموا أناسا أبرياء. وهم لا يظلمون الفلسطينيين فقط، بل إنهم يظلمون كذلك العالم أجمع من خلال الهيمنة العالمية التي أقاموها أو استندوا إليها في ظلمهم. غير أن حجر المقلاع الذي حمله داوود اليوم يحمله الأطفال الفلسطينيون، وهي الأحجار التي تشعر دولة إسرائيل بعجزها منذ سنوات بالرغم من قدراتها التسليحية الهائلة.

كما هو الحال في الدرس الكبير الحقيقي الذي يعطينا إياه ربنا في نهاية هذه القصة:

"وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (البقرة 251)

إن هذا مبدأ جدلي تاريخي؛ إذ يمكن أن تتحول الحركات والمجتمعات التي سعت وراء الحق والعدل في وقت من الأوقات إلى ظالمين وبالتالي منهزمين في وقت لاحق. ذلك أن الحركات التي تصل إلى السلطة عادة ما تجمّد الأخلاقيات والفضائل التي تبنتها خلال الكفاح الذي خاضته في مرحلة البداية، ثم سرعان ما تحول تلك الفضائل والرمزيات التي تضمنها كفاحها إلى ملك خاص بها، بل وتحولها إلى سلاح تستخدمه ضد المظلومين الذين صنعتهم سلطاتها. وهكذا يصبح فساد المجتمعات أمرا لا مفر منه.

يقول ابن خلدون إن هذا العهد - لا شك - يمكن أن يطيله الحكام العدول الراشدين الذين يراقبون أنفسهم ويتحلون بتواضع النبي ورحمته وحبه للغير. وإلا فإن الله يستبدل من وقعوا في هذا الذنب. فيدفعهم عن طريق إعطاء المقلاع هذه المرة للأطفال الفلسطينيين لمواجهة أحفاد داوود في الوقت الذي يشعرون فيه بأنهم الأقوى، ويتدخل بلطفه حتى لا تفسد الأرض أكثر.

ولهذا فعلينا حماية إيماننا، لكن ينبغي لنا كذلك ألا نهمل اتخاذ ما يلزم من تدابير (واستراتيجيات وتكتيكات).

+

خبر عاجل

#title#