من يستطيع فهم إبراهيم؟ - ياسين اكتاي

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

إن الحدث الذي يدعونا الله لتمثيله كل عام في صورة العيد هو - بوجه خاص – ذلك الاختبار العظيم الذي خضع له سيدنا إبراهيم عليه السلام، حتى وإن كانت فكرة الأضحية موجودة كاختبار منذ قديم الأزل. فالله يريد منا كل عام أن نعيش وسط العواصف العاطفية التي بدأ خليل الرحمن يعيشها عندما طلب الله منه أن يضحي بابنه "الوحيد" الذي رزق به كهدية في شيخوخته بعد أن حرم الولد وصار غير قادر على العمل.

فمن يستطيع اليوم أن يفهم ما الذي مر به إبراهيم عليه السلام حقا؟ وإلى أي مدى يمكننا أن ندرك الآلام والصعاب الشديدة التي عاشها حتى وصل إلى مستوى يؤهله للتضحية بابنه الوحيد والصبر والثبات الذي ظهر بهما في مواجهة هذا الحدث الجلل وقدرته في كل مرة على دفع الشيطان الذي اقترب منه محاولا بث وساوسه إليه؟

إننا نتقرب كل عام إلى الله بالتضحية بالكبش الذي أنزله ليكون فداء لإسماعيل الذي برهن أبوه إبراهيم أنه مستعد للتضحية بابنه تلبية لأوامر الله أرحم الراحمين الذي اختبر خليله بأصعب اختبار.

وهل نحن مدركون حق الإدراك أننا مطالبون بأن نعيد لله ما وهبن إياه؟ فاللحظة التي ندرك فيها جيدا أن الأشياء التي نعمل في الدنيا ونجتهد من أجل اكتسابها ليست ملكا لنا هي تلك اللحظة التي نلفظ فيها أنفاسنا الأخيرة. وهي تلك اللحظة التي نصل فيها إلى حقيقة كل شيء، اللحظة التي ندرك فيها أنه لا يوجد أي شيء في هذه الحياة الدنيا مملوك لنا في حين أننا نعتقد أنه ملكنا، بل إن الله هو الذي وهبنا كل شيء لنعيده إليه يوما ما، وهي كذلك اللحظة التي ندرك فيها - آسفين - أننا سقطنا في مستنقع الجهل عندما ظننا أننا نمتلك شيئا من مُلكه لنبخل به عن أصحاب الحاجة.

إن الأضحية تعرِّفنا على تلك الحقيقة قبل أن تحين تلك اللحظة، قبل تلك اللحظة التي لا ينفع فيها الندم عندما يحين ذلك الميعاد. إنها تجربة الموت قبل أن نموت..

الحقيقة هي أننا جميعا جئنا من لدن الله، وسنرجع إليه، كما أن كل ما جمعناه في هذه الحياة الدنيا من المميزات والهويات والماديات والإمكانيات الاجتماعية وكل ما مُنحناه أو ظننا أننا كسبناه، كل شيء راجع إليه في بدايته ونهايته.

ولا شك أن هذا الدنيا ستدور، حتى وإن لم نكن عليها، إلى أن يشاء الله. والاختبار ليس شيئا مخصصا لمرة واحدة أو شيئا يكتسب لكل الأزمنة. فالإنسان يختبر حسب مستواه الذهني والإدراكي والروحي. ولا يمكن اعتبار أي إنسان مختار من بين البشر أو صاحب مكانة رفيعة فقط لأنه نجح في أحد الاختبارات. وفي كل مرحلة يعاد مشهد الاختبار، لكن في كل مرة يرفع سقف ذلك الاختبار أكثر.

إننا نحتفل بالأضحية بكل رموزها مرة واحدة في العام منذ قديم الأز ، لكنها – في الواقع – أصبحت روتينا حياتيا متكررا؛ إذ إننا نسير في طريقنا في هذه الحياة في كل لحظة من خلال تفضيلاتنا عندما نتقرب من شيء أو شخص أو نبتعد عنه. وإن تمثيلنا كل عام للواقعة التي مر بها سيدنا إبراهيم عليه السلام يساعدنا على ألا ننسلخ عن جذورنا تلك وننسى إلى أي مدى يمتد وجودنا في هذا العالم وجذور الطريق الني نسيره ونحن نضحي في كل عام.

إن أضحية إبراهيم ليست واقعة حدثت مرة واحدة ولا تحمل أهمية كبرى بالنسبة لنا، بل إن بها دروسا تضيء لنا دربنا في حياتنا اليومية وتساعدنا على إعادة تقييم ما نعيشه من وجهة نظر أخرى. فمن ذا الذي سيعطي تلك الدروس ومن سيتلقاها؟

ليس هناك أدنى داع لأن يتدخل شخص آخر، فالقصة تتحدث عن نفسها بكل عجائبها لكل شخص حسب مستواه... فلا أحد يهتم كثيرا بعد نقطة معينة بأن لماذا لا يفهم الناس ما تفهمه أنت من هذه القصة، ذلك أن الناس ليسوا مجبرين على فهم كل شيء كما تفهمه. وفي الواقع، فإنه حتى عندما تأتي المعجزات وتظهر آيات الله فليس مقدَّرا أن يفهم كل شخص كل شيء بالطريقة نفسها. أليست آيات الله ذاتها تهدي البعض في حين تزيد ضلال آخرين؟

إن حكاية ابراهيم عليه السلام وتاريخه الممتد منذ آلاف السنين حتى يومنا هذا تذكّرنا قبل أي شيء بإلى أي مدى نحن نعيش في حقبة زمنية قصيرة. فقبلنا جاءت الكثير من الأجيال التي حققت الكثير من النجاحات وبنت العديد من المدن والدول والحضارات قبل أن تندثر. ولقد ظنوا جميعا أنهم في الحضارات التي أسسوها كانوا مميزين ومختلفين ومتفوقين وسيعيشون للأبد بفضل أعمالهم وأجيالهم.. لكن الآن لا أثر لهم.

ألا تبرهن لنا المساعدات التي بخلنا بها عمن طلبوها منا وقلة الرحمة والبخل الذي أبديناهما في تعاملنا مع الأشخاص الذين لجأوا إلى بلدنا إلى أي مدى نحن بعيدون عن هذه الحقيقة؟

تخبرنا هذه الحقيقة بأنه لا معنى أن نتحسّر ونبكي ونحن نقول إن هذه القضية لا تجد أي داعم لولانا وأن كل شيء سيبقى دون أن يكمله أحد. وكما أن حكم الظالمين لن يبقى إلى الأبد، فإن أخيار الناس يكونون قد ابتعدوا عن هذه الحقيقة في اللحظة التي يبدأون فيها رؤية أنفسهم وكأن العالم بدونهم لا يسوى جناح بعوضة. وعلينا ألا ننسى أن حملات الكفاح التي يخوضها المؤمنون في طريق إبراهيم عليه السلام لا تفشل في ساحات المعارك، بل عندما يبدأون يشبهون عدوهم. فعندما لا يستفيق المؤمن ولا يعي سمعه دائما للحق، فإنه يكون من نصيبه - بمرور الوقت - أن يقع فريسة لغواية نفسه وشيطانه وأن يشبه عدوه.

عندما اختار الله، خليل إبراهيم، ذلك النبي ليكون إماما للناس قال "ومن ذريتي"، فقال الله "لا ينال عهدي الظالمين" (البقرة – 124) وهو ما يعني أن إبراهيم عليه السلام عندما ارتقى إلى ذلك المقام الرفيع بفضل ذلك الاختبار العظيم، لم يترك ذلك المقام إرثا لذريته من تلقاء نفسه. فحكايته التي تخطت حاجز التاريخ ووصلت حتى يومنا هذا تثبت لنا من ناحية أخرى أن كل واحد منا ليس مهما على الإطلاق في خضم مجرى التاريخ الطويل. فكلنا مِلك لله ولا نمتلك أي شيء نعتقد أنه ملك لنا. فنحن لا نمتلك الصدقات والزكوات التي يطلب الله منا تقديمها، وكذلك الأضحية المطلوب منا ذبحها. بل إن الكبش الذي نقدمه كأضحية هو هدية يهبنا الله إياها بلطفه وكرمه.

وأما التحذير الذي يحذرنا بنا الله حول أن تلك الأضاحي لن تصل إليه سبحانه وتعالى فيبرهن لنا على أن هذه التضحية ليس لها أي أهمية. فالشيء الذي نحاول إيصاله إليه هو ملك له في الأساس. فعلى من نمنّ ما نقدم؟

تذكِّرنا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام من ناحية بأننا نحمل لا نتمتع بأي أهمية في مجرى التاريخ، لكنها من ناحية أخرى تهتم بنا وتجعلنا نمثل هذه الحكاية المباركة وتجهز كل واحد فينا كإبراهيم ليخوض كفاحات مماثلة.

كل عام وأنتم بخير.

+

خبر عاجل

#title#