ما الذي يحدث لأطروحة العلمنة؟ - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

هناك أطروحة تدور حول أن عالمنا يزداد علمنة مع مرور الوقت، تُسمّى بـ "أطروحة العلمنة". هذه الأطروحة التي كان لها تأثير على جميع دوائر العلوم الاجتماعية منذ القرن التاسع عشر وعلى مدار القرن العشرين؛ ترى أن العلمنة هي جزء من عملية التطوّر البشري. كما أن مناهج الحداثة قامت بربط العلمنة مع الحداثة، وأصبغت على العلمنة سمة التطوير المرتبطة بالحداثة.

استطاعت الأطروحة القائلة بأن الحداثة كلما تقدّمت تراجع الدين، أن تجد قبولًا لها في التطورات الاجتماعية في بداية الأمر، حيث أن المجتمع الصناعي الذي استحوذ على مفاصل الحياة لم يترك تقريبًا أي مجال أو مساحة للدين في الحياة اليومية، ما جعل المظاهر الدينية تتجه نحو الانعدام في السلوك الإنساني والترجيحات الفردية والمجتمعية وعلى صعيد الحياة اليومية كذلك. تلك الحياة اليومية التي تم تنظيمها كمجتمع صناعي، لم تعد الطقوس أو الأماكن الدينية لتجد حوزة فيها، فهي إما تتجه نحو الاندثار مع مرور الوقت أو يتم تهميشها زمانًا ومكانًا.

على الرغم من أن موقع الدين كان بهذا الشكل على هامش صفحات المجتمع الصناعي بداية الأمر، إلا أنه مع مرور الوقت حدث ما خالف التوقعات، فلم يندثر الدين ولم يتضاءل نحو الزوال، بل تمكن من حجز موقع ومركزية له ليعود من جديد جزءًا لا ينفصم عن الحياة اليومية. ولا شك أن ذلك لم يحدث في تركيا فحسب، بل على مستوى عالمي. كما أنه ليس على مستوى المسلمين فقط، بل بالنسبة لجيمع الأديان حول العالم، أثبت الدين عودته من خلال إعادة ترسيخ اعتباره استجابة للموقف الذي فرضه موقعه الجديد. ولا شك أنّ الدين في حياة المجتمعات اليوم أكثر تأثيرًا مما كان عليه في أواخر القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين.

لقد بدأ فولكان أرتيت في كلية الاجتماع بجامعة أكسراي، حملة دفاع عن العلمنة في إطار يتجه بشكل كامل ضد ما قدّمناه بهذا الصدد. حيث حاول ضمن مقال تحت عنوان "علم الاجتماع الديني وهل بيتر بيرغر معفي من المنهج العلمي؟"؛ أن يثبت بأنّ العلمنة لم تنته وأنها نتيجة تاريخية نهائية. كان المقال في الحقيقة تلخيصًا لما عرضه أصلًا ضمن دراسات وأعمال سابقة حول هذا الموضوع. ومن الواضح أنه رأى اعتراضنا على رؤية أو تقديم العلمنة كتطور، كنتيجة لموقفنا السلبي إزاء العلمنة.

لكن ومع ذلك فإن القول بأن الدين وصل إلى حالة تأثير مطلقة، في ضوء لفت الانتباه لهذه التطورات، لا يعني زفّ بشرى للدين بطريقة حماسية، نحن لا نتحدث عن تطور الإسلام لوحده فقط وفق طرح حماسي. وفي الوقت ذاته حينما نتحدث عن صحوة في جميع الأديان والهويات الدينية، فإن تلك الصحوات التعصبية لن تساهم في شيء لصالح السلام والازدهار العالميين.

إن دخول الأديان على الساحة يجلب معه في الوقت ذاته صراعًا عالميًّا على أساس الدين. وإن الإسلاموفوبيا المتصاعدة اليوم، ما هي إلا نتيجة تطور لتدين مسيحي أو يهوديّ في الغرب أكثر راديكالية، وكذلك في بلاد أخرى هندوسيًّا كان التطور التديني أو بوذيًّا أو غير ذلك. بل إن الكراهية التي تزداد يومًا بعد يوم تجاه المسلمين، تتغذى وتتطور إلى حد كبير داخل المعابد والأماكن الدينية أيًّا كانت حسب كل دين، حيث أن الإحساس بالهوية الدينية في تلك الأديان يقوّي بدوره المشاعر الدينية التي توجّههم نحو كراهية دين بعينه.

حتى في مجال العلاقات الدولية التي يُعتقد أنها المجال الأكثر علمنة، يبدو الدين فيها على عكس ما هو مفترض؛ أكثر حضورًا وكثافة. نلاحظ انه عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة، أن الرئيس جورج بوش الابن قد أعلن أنهم في حملة صليبية بشكل علني. هل يستطيع أحد أن يتجاهل أن هذه الحملة الصليبية كانت مدفوعة بمشاعر دينية إن لم تكن عند الجميع فعند الغالبية؟ وعلى صعيد آخر نرى جيدًا ان هذه الحملة الصليبية قد نشطت الوعي العميق الخطير في وجدان العالمين اليهودي والصليبي على حد سواء.

نجد اليوم أن جميع سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط تتمحور حول إسرائيل، وإن سبب وجود إسرائيل لا ينبع إلا من دافع ديني. ومن الواضح جدًّا أن الوعي بالهوية والمشاعر الروحية التي تفرزها سياسات الاحتلال القائمة على الانتهاك والتعدي والقتل، والتي تتجاهل المسلمين في العالم الإسلامي؛ تتسبب في إحراج أطروحة العلمنة بشكل جلي. وفي الحقيقة؛ طالما أن هناك دولة بهذه الصفات والممارسات في هذا العالم اسمها إسرائيل، فلا يمكن لأحد أن يقتنع أو ينخدع بأن العالم الذي نعيشه علماني أو أن مساره يتجه نحو العلمنة على أقل تقدير.

وفي هذا الإطار نجد أن النقطة التي كان إرتيت مخطئًا فيها، هو أنه اعتقد بأن جميع الانتقادات الموجهة ضد أطروحة العلمنة تستند فقط إلى نتائج بيتر بيرغر. نعم من الصحيح أن بيرغر من أوائل علماء الاجتماع الذين شككوا في فرضية أن العالم تحكمه العلمنة، إلا أنه من الوارد أن تكون هناك اخطاء أو مشاكل منهجية في الأعمال التي قدّمها في هذا الإطار، حتى أن إرتيت نفسه اعترف أنه خلال إعداد دراساته لم يعتمد على عينة نموذجية ثابتة صحيحة.

تكمن أطروحة بيرجر في قدرتها على الإشارة إلى حقيقة معينة يراها الجميع، لدرجة اننا حينما نتناول الحديث في هذا الإطار ونشير إلى بيرغر، فإن هذا لا يعني أننا نسند وجهات نظرنا حول العلمنة إليه فقط، او أنه لا توجد أطروحة غير التي جاء بها بيرغر في هذا الإطار.

على سبيل المثال، أنا لا أقول بأن أطروحة العلمنة قد انهارت، بل أقول أنه من الخطأ رؤية العلمنة نتيجة نهائية أو الذروة في خط التطور او الحداثة. ولماذا أصلًا يجب أن تنهار أطروحة العلمنة، إنني أراها حركة كغيرها من الحركات التي طرأت على التاريخ البشري والتطور المجتمعي. ما نتحدث عنه يختلف تمامًا عما يعتقده إرتيت.

إن الخطأ الذي ارتكبه إرتيت، هو أنه ربط بين ما أقوله أنا، وبين ما قاله بيرغر، ومن ثم صار ينتقد بيرغر كما لو أنه ينتقدني.

لقد أوضحت توجهي ورؤيتي حول هذه المسألة في كتابي بعنوان؛ "عالمية الإسلام ومصادر العلمنة". ودعوني أوضح كملاحظة هامة بأن إرتيت ساق انتقاداته دون أي تعريج منه على هذا الكتاب.

ومع ذلك دعونا نقل بأنها كانت مناسبة جيدة لفتح هذا الموضوع، والحديث عنه بشكل أفضل، وللحديث بقية.

+

خبر عاجل

#title#