ما لا يسعنا جهله في عالم السياسة - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

العمل السياسي بنظر الذين يتحركون بـ"حسن نية" في السباق السياسي النبيل، يهدف إلى خدمة الشعب والعمل ما أمكن على تحسين البلد أو العالم، يعتبر طموحًا جديرًا بالاحترام على الرغم من كل شيء. وربما بسبب هذه النظرة المحترمة بحد ذاتها يتعرض العمل السياسي لاستغلال من قبل أولئك الذين يطبقونه على الأرض فيستخدمونه كأداة وخطاب مضلّل يخفي وراءه أسوأ النوايا.

وبهذا الشكل تبدو السياسة في الظاهر حلمًا وطموحًا، لكنها على الأرض تبدو حرب تكسير عظام بين المتنافسين، وعلاقة ولاء وبراء أو صداقة وعداوة، وبناء على ذلك يقوم السياسي بنصب الفخاخ للعدو ورميه بالأكاذيب والافتراءات، بينما يتصرف مع الصديق بمحسوبية ومسامحة تخالف مفهوم الإنصاف والعدالة.

ومع الوقت يتحول هذا السلوك إلى وضع طبيعي، وبدلًا من أن تجعل السياسة الإنسان إنسانًا تهوي به إلى الدرك الأسفل من اللاإنسانية.

لا تقتصر بالطبع السياسة على هذا الإطار فحسب، فهي في نهاية المطاف مجال واسع يتحكم به الإنسان ويوجهه كيف يريد حسب اختياره هو، وهي أداة يمكن أن يستخدمها الإنسان إما لإعمار الأرض وإصلاحها، وإما لإفسادها وخرابها.

كلا الطريقين يحددهما اختيار الإنسان. لكن للسياسة معنى آخر بالتأكيد بالنسبة للإنسان المسلم، فهو لا يمكن أن يكون إمعة في ميدان السياسة يفعل كما يفعله الآخرون، فيقصر الإنسان على علاقة صداقة أو عداوة فحسب.

لا يوجد "عدو مطلق" على وجه الأرض بالنسبة للإنسان المسلم. والسياسة بالنسبة للإنسان المسلم تعني تمنّي الخير لكل الناس، وإن "العدالة" هي ترجمان هذا التمنّي. وحتى مع من يعتبر نفسه عدوًا، على المسلم أن لا يسعى لتدميره بل لإصلاحه ومآخاته.

إن المسلم لا يتمنى الخير والسعادة للمسلمين فحسب بل لجميع البشرية في هذا العالم. وهذا هو الفرق الذي يميز الإسلام عن غيره في ميدان السياسة. لكن بالطبع مع وجود حالة من التيقظ بعيدة عن الانبطاحية أمام العداوة والحقد والكراهية ضد المسلمين في العالم.

لا شك أن هناك العديد من الخيارات والطرق والأبعاد التي تجعل السياسيّ المسلم مختلفًا عن غيره، وأهم هذه الفروقات هو "عدم طلب أجرة/منفعة/مصلحة"، وعلى جميع من دخل عالم السياسة بمشاعره الإسلامية أن يسائل نفسه ويحاسبها في هذا الإطار: ما نوع الأجرة أو المصلحة أو الامتياز الذي يريده ويسعى إليه في هذا العالم الذي يريد تغييره؟ وأعتقد أن هذا الجانب هو معيار الثقة التي يتمتع بها السياسي المسلم مقارنة بغيره.

يمكننا القول بأن السياسيين الذين دخلوا عالم السياسة بمشاعرهم الإسلامية وقطعوا مسافة في ذلك، نجحوا من خلال الفرق الذي تميزوا به عن منافسيهم ضمن هذا الإطار ذاته.

يمكن أن ينظر الآخرون لجميع الطرق على أنها متاحة ومشروعة من أجل تحقيق أهدافهم، أما الإنسان المسلم فهو لا يمكنه التعامل بهذا الشكل. فهو لا يفرق بين الطريق والهدف، بين الغاية والوسيلة، بل يعتبر الطريق جزءًا من الهدف، والوسيلة جزءًا من الغاية، فيسير على طريق مستقيم نحو هدفه.

في عصرنا الحديث يمكن أن ننظر للمفكر والزعيم المسلم علي عزت بيجوفيتش، كأفضل مثال يجسد السياسة الإسلامية بكل حكمة وجدارة، حتى في أحلك الأيام وأصعبها وأبعدها عن النصر دون وجود أي بصيص أمل لذلك أصلًا، وحين الحديث عن المعركة العصية التي خاضها كان يقول أن "الهزيمة لا تعني أن يغلبك العدو أو يقتلك، بل أن تصبح مثل العدو ولو كنت منتصرًا".

ولذلك كان يرفض بشكل قاطع أن يعامل أعداءه بنفس الطريقة الوحشية التي كانوا يعاملون بها البوسنيين المسلمين. وحينما كان يعترض عليها أحد ويطلب منه الرد على العدو بالطريقة ذاتها، كان يرد بجواب يجب أن يكون حلقة في أذن أجيالنا المسلمة: "لا يمكن أن نتخذ من أعدائنا معلّمين".

يُهزم المسلمون حينما يقلدون أعداءهم، قاعدة واضحة لا لبس فيها.

إن من يفرق بين الطريق والهدف، سرعان ما ينشغل بالطريق المنحرف الذي سلكه فينسى الهدف والغاية ويضعهما وراء ظهره، هكذا جرت العادة. ولا داعي للبحث عن سبب ذلك في مكان آخر، بل إن انفصال الطريق عن الهدف يفسر ويحكي كل شيء بنفسه. وحينما يحدث هذا الانفصام يتغير رفيق الطريق أيضًا، ويتغير الهدف ليوافق رفقاء الدرب الجدد.

عالمنا بالطبع ليس مكانًا يمكن إنشاء جنة فوقه، بل هو مجال للاختبار فحسب. لكن حين وضع أول خطوة على الطريق القويم ضمن هذا الاختبار، يتحرك الإنسان في انسياب نحو الهدف ويحس بذلك فيعمل بمقتضاه.

الحياة الإسلامية ليس حياة يمكن أن تتأخر من خلال مبادئها وقيمها وسلوكياتها وبالمعنى الأعم "سنّتها". بل هي حياة يمكن تطبيقها بمجرد وضع أول خطوة فيها لتتجسد واقعًا بكل ما تحويه من تفاصيل دقيقة.

ربما لا نحتاج سوى لمعرفة ما لا يسعنا الجهل به، نحتاج للعلم والعمل بهذا العلم.

+

خبر عاجل

#title#