​ ما هي مشكلة السعوديين معي؟ - زكريا كورشون

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

بدأت السعودية حملة هجوم ضد مقالاتي التي أكتبها، بعد أن كانت تتخذها مرجعًا أكاديميًّا لها على مدار سنوات. عندما رأيت عنوان أولى سلسلة مقالات ذلك الكاتب المأجور، طلال الطريفي، شعرت بالحماس ظانًّا أنني سأدخل في نقاش تاريخي قيّم. إلا أنني سرعان ما وجدت نفسي متوهمًا حينما اطلعت على مستوى الكتابة الذي لا يصدر حتى عن طالب في المرحلة الثانوية. سلسلة مقالاته التي تم نشرها على صحيفة الشرق الأوسط المدعومة من السعودية، والتي نشرتها كذلك بقسميها باللغتين التركية والإنجليزية، فضلًا عن التركيز عليها من الإعلام السعودية ومواقع التواصل على مدار الأسبوع، مما يظهر أنها حملة منظّمة فعلًا.

الكاتب الطريفي حاول الرد على مقالاتي التي نشرتها هان ضمن سلسلة تحت عنوان "ردًّا على السعوديين"، طبّق المثل التركي القديم الذي ما معناه "بأنّ فلانا ما حينما أراد أن يظهر شجاعته تحدث عن مسروقاته". ومن يعقد مقارنة بسيطة بين الهذيان الذي أطلقه وبين ما كتبتُه هان، سيدرك هذه الحقيقة.

إن مقالاته التي كتبها ردّا علي لا ترقى في الحقيقة إلى مستوى التأريخ العربي فحسب، بل لا ترقى كذلك إلى درجة ومستوى التأريخ السعودية الذي اكتسب مكانة في الأبحاث العثمانية خلال السنوات الأخيرة الماضية. ومن الواضح للغاية أن ما أُجبر على كتابته في الحقيقة لا يصدر عن أي مؤرخ معتبَر.

إن توقيت هجومه واتهامه لي بأنني أسيّس التاريخ، يعتبر أمرًا مثيرًا، حيث على الرغم من أن مقالاتي كنت قد كتبتها منذ وقت (مطلع مايو/أيار الماضي)، فإن حملة الهجوم الآن هو أمر مثير كذلك. إن أصابع اتهام تدور حول الكاتب ومن يقف وراءه، حيث تصدّر لحملة ممنهجة ضد كتاباتي، في الوقت الذي كان فيه الجميع منشغلًا بالحدث الأهم وهو افتتاح مسجد آيا صوفيا الكبير للعبادة من جديد. من الواضح للغاية أن القضية ليست مسألة ردّ علي فحسب، بل هي محاولة صرف نظر الرأي العام السعودي عن التطورات في تركيا وإبقائه بعيدًا عنها.

إن الردود على ما ساقه في تلك المقالات موجودة أصلًا ضمن مقالاتي المنشورة هنا، ولا حاجة لتكرارها الآن، إلا أنه من المفيد أن نستعرض السبب وراء مقالاتي التي كتبتها آنذاك؛ كانت في الحقيقة ردًّا على الحملات التي أطلقتها السعودية ضد التاريخ العثماني، والإجحاف بإنكار الخدمات التي قدمها العثمانيون تجاه مكة والمدينة، وأن الرواق العثماني الموجود حول الكعبة إنما هو منسوب لسيدنا عثمان بن عفان، لا إلى العثمانيين.

أريد أن أذكّرهم بأنني قمت بكتابة ملخص خاص مؤلف من 40 صفحة، بناء على طلب رسمي من مؤسساتهم الرسمية، وذلك حول "إسهامات العثمانيين الإعمارية في الحرمين"، ولقد تم قبولها من قبل خبرائهم وهي موجودة لديهم باللغة العربية. وقد عرضتُ عليهم حينها أن يُتاح قراءة ذلك باللغتين العربية والتركية كمحتوى تاريخي مشترك، لكن دون جدوى.

هناك عشرات الأطروحات الأكاديمية في الجامعات السعودية ذاتها، تسلط الضوء عن إسهامات وخدمات العثمانيين، كما تم نشر العديد من المقالات حول ذلك في مجلاتهم الرسمية أيضًا، ولذلك لا يمكنهم عبر بضع مقالات أن ينكروا هذه الحقيقة الراسخة. حتى ولو قاموا بإزالة جميع تلك الدراسات منذ ذلك الوقت حتى اليوم، وحالوا إعادة ضبط الذاكرة السعودية وتهيئتها من جديد، فستبقى هذه الحقيقة قائمة واضحة.

لطالما تنافس جميع أصحاب وسلالات الحكم منذ عهد الصحابة، على خدمة الحرمين الشريفين، ولقد كان العثمانيون من بين هؤلاء. إنني أسأل هذه الكاتب البائس الذي يمارس خلطًا في المصادر: هل بإمكانك أن تعرض لنا أثرًا متبقيًا مما أنجزه الإنسان العظيم سيدنا عثمان بن عفان، من خدمات جليلة وتوسعات في الحرم باتت أنموذجًا لمن بعده (بما في ذلك الرواق العثماني الذي يزعمون نسبه إليه)؟ أن تلك القبب التي تبلغ أكثر 150 قبة والتي يمضي تحت ظلها آلاف المسلمين يوميًّا والملايين خلال موسم الحج خلال ذهابهم نحو مساحة الطواف؛ من أنشأها يا تُرى؟ إن العثمانيين بلا شك لم يقوموا بهذه الخدمات كي نقوم بمدحهم اليوم، بل فعلوا ذلك خدمة لدينهم الذي ينص على أنه لا فرق بين عربي على اعجمي ولا بالعكس إلا بالتقوى. ولو أن العثمانيين كانت لديهم هذه الروح العصبية والقبلية والعنصرية التي يمتلكها هذا الكاتب ومن مثله والتي دفعت الدولة الأموية نحو الهاوية؛ لكان العثمانيون قد سقطوا منذ وقت مبكر للغاية ولما عمروا كل هذه القرون.

والآن أسأل مجددًا، ألا تشعرون بالخجل من السلطان مراد الرابع، وهم ينكرون كل ما قدّمه العثمانيون من خدمات للحرمين منذ السلطان القانوني؟ أليس الحال الذي عليه الكعبة المعظمة اليوم هو ما تركه هذا السلطان (مراد الرابع) الذي لا تخجلون منه؟.

هذا الكاتب الطريفي الذي يحاول إنكار هذه الحقائق، نجده قد غرق في مياه لا يجيد السباحة فيها أصلًا، حيث أنكر تاريخ الأتراك بالجملة وكذلك حكاية التأسيس العثماني. وإن أفضل جواب على من لا يمتلك قدرة لقراءة التاريخ ولا يعرف منهجية لذلك، هو كالتالي:

إن تاريخ السلاجقة الذين حفظوا الخلافة العباسية وصانوها، وتاريخ العثمانيين الذين دافعوا عن الحرمين وصانوه من غزو البرتغاليين، على الرغم من ضربه بجذور التاريخ حيث يصل للقرن العاشر، فلا بد من وضعه تحت قواعد الجرح والتعديل على الدوام، إلا أنك أيها الطريفي لا تمتلك ومن على شاكلتك أي أهلية لإجراء ذلك. عدا أنّك حينما تناقش حول القرنيين الثالث عشر والرابع عشر، فإنك تنسى تاريخ السعودية الحديث جدًّا. ودعني أذكّرك إن أردت، ألم يتم إلصاق نسب "آل سعود" فجأة ببني حنيفة وبني تميم المعروفين بقرابتهما مع قريش، بيد أن نسب آل سعود كان معروفًا بأنهم فرع من قبيلة "عنزة"؟ بل ألم يتم القضاء على أي ما يثبت أو يشير إلى أن آل سعود هم فرع من قبيلة عنزة؟ ليس لدي ما أقوله حول هذا التغيير المفاجئ في النسب في الحقيقة، إلا أن لدي الكثير مما أقوله لك أيها الطريفي، الذي يبدو أنك لا ترى القذر الذي في عينيك ولكنك منشغل بالرمد الذي في أعين الآخرين.

أريد أن أختم المقال بتذكيرك بهذا الشيء: أولئك الذين دفعوك لكتابة هذه مقالاتك تلك، جعلوا المؤرخين السعوديين يكتبون التقارير وغيرها من أجل كتابي الذي نشرته تحت اسم "العثمانيون وآل سعود في الأرشيف العثماني"، إلا أنه بعد تقييم بتلك التقرير وبحضور الملك سلمان وكان وقتها ولي عهد، تم وصف تلك التقرير بأنها عاطفية تخلو من أي قيمة علمية تاريخية. ولذلك يا سيد طريفي عليك أن تعلم بأن يومًا سيأتي ويقولون الشيء ذاته لك أيضًا.

+

خبر عاجل

#title#