حميدة.. شاب غزي يواجه الحصار والفقر بالموسيقى

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

الثقافة والفن

حميدة.. شاب غزي يواجه الحصار والفقر بالموسيقى

الفلسطيني محمد حميدة يصنع آلة اليرغول الموسيقية التراثية منذ أكثر من 6 سنوات ويتخذ هذه الحرفة مصدر رزق له ولعائلته المكوّنة من 8 أفراد في ظل ارتفاع نسبة البطالة بالقطاع

مركز الأخبار AA

قبل غروب الشمس يوميا، يتوجّه الشاب الفلسطيني محمد حميدة إلى شاطئ مدينة غزة وعلى ظهره حقيبة صغيرة فيها العشرات من آلات النفخ الموسيقية "اليرغول" للعزف وطلب الرزق.

فور وصوله إلى الشاطئ، ينتقي الشاب حميدة مجلساً وسط المارّة، ويبدأ عزف ألحان أغنيات مختلفة، تارةً تكون للفرح، وتارةً أُخرى للوطن، لجذب الزبائن الذين يتحلّقون حوله، ويبدؤون بتمتمة كلمات المعزوفة.

و"اليرغول"، آلة نفخ موسيقية تراثية تنتشر في المجتمع الفلسطيني، خاصة لدى القبائل البدوية، وتصنع من خشب البُوص البرّي، الذي ينتشر في المناطق الزراعية المفتوحة، وقرب الوديان.

هذه الآلة التي يعزف عليها حميدة (20 عاما)، هي الأولى التي صنعها قبل نحو 6 سنوات، ورافقته بمشواره للتدرب على العزف حتّى أتقنه، إذ يتطلّب ذلك مهارة عالية من العازف لمواصلة النفخ لفترة طويلة دون انقطاع.

وخلال تلك الفترة، عكف حميدة على صناعة "اليرغول"، وبيعه للشبّان الذين تشغفهم هواية العزف بآلات النفخ.

جمع البوص

تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، وفي وادي بلدة بيت حانون (شمال) الجاف، يبحث حميدة عن أخشاب "البُوص" التي تصلح لصناعة "اليرغول"، وينتقي منها الجافة التي تكون صلبةً وذهبية اللون.

وبعد أن يجمع حزمةً تُمكّنه من صناعة أكثر من 10 آلات يبدأ بتشذيبها للتخلص من الزوائد والأعشاب، ويقصّ ما يحتاج إليه منها.

ويقول حميدة للأناضول، إن "عملية البحث عن هذه الأخشاب شاقّة وخطرة"، إذ تعرّضه للدغات الحشرات، أو هجوم القوارض والزواحف إن وُجدت.

ويضيف: "فصل الصيف يعتبر موسماً لجمع هذه الأخشاب الصلبة، إذ تبقى النباتات دون شمس خضراء اللون لينة، ولا تصلح لصناعة اليرغول".

بعد ذلك يقصّ حميدة الأخشاب التي انتقاها إلى قطع غير متساوية، بعضها رفيع وقصير وتُسمى "البنيّة"، وهي الجزء العلوي من الآلة وتستخدم في النفخ.

أما الجزء الآخر الطويل والأعرض فهو جسم اليرغول، ويطلق عليه البعض اسم "اللعّابة"، ويحتوي على 6 ثقوب تُستخدم للعزف عبر إغلاقها وفتحها بحركة متناغمة للأصابع، وفق ما تقتضيه المعزوفة.

صناعة "اليرغول"

لا يملك حميدة ورشةً لصناعة اليرغول، إنما يقوم بذلك منذ سنوات في الساحة المقابلة لمنزله.

وعلى طاولةٍ خشبية متواضعة، يجهّز الأدوات البدائية اللازمة للعمل، كالسيخ الحديديّ وشفرة حادّة للقص، ولاصق أسود اللون.

في البداية، يحاول حميدة التخلّص من أية زوائد خشبية تكون داخل القصبة، التي تشكّل جسم "اليرغول"، من خلال إدخال السيخ الحديدي عبرها عدة مرات، لضمان خروج اللحن نقياً دون خلل.

ثم بواسطة الشفرة الحادّة، يبدأ بتشذيب أطراف "البنيّة"، وجعلها منحدرةً حادّة لتسهيل دخولها في جسم "اليرغول".

يشرع حميدة بعد تثبيت "البنيّة" داخل اليرغول، بإنشاء الثقوب الستّة المجوّفة للأسفل، بحيث تفصل بين الثقب والآخر مسافاتٌ متساوية.

ويراوح متوسط طول "اليرغول" بين 30 و35 سنتيمتراً، بحيث يستخدم لأغنيات الفرح غالباً، بعيداً عن الشجن.

فكرة وحرفة

وُلدت فكرة صناعة آلة "اليرغول" الموسيقية لدى حميدة منذ أن كان في الـ14 من العمر.

حينها شغفته الألحان المُنبعثة من هذه الآلة، وتَراقُصُ الأصابع عليها بشكل انسيابيّ لتشكيل ألحان مختلفة.

وعلى الطريق المُمتدة بين منزله والمدرسة، كان حميدة يُلاحظ انتشار أخشاب البوص المستخدمة في صناعة هذه الآلة.

فبدأ آنذاك البحث عن المواد التي تُستخدم في صناعة "اليرغول" وتعلّم الأسس اللازمة لذلك، وخاض التجربة عدة مرّات حتّى أتقنها وباتت حرفةً له ومصدر رزق أيضاً.

أكثر من 6 أعوام مضت وحميدة يبيع هذه الآلة، حيث يساعد ثمنها في إعالة أسرته التي تعاني أوضاعاً اقتصاديةً صعبة.

ويقول للأناضول إن "الحصار الإسرائيلي أثّر على سكان القطاع كافّة، ونحن كذلك كان لنا نصيب".

ويضيف: "الأوضاع التي نعيشها في الأسرة متردّية للغاية، لكن هذه الحرفة ساهمت في توفير مصروفي اليومي، وساعدت عائلتي أيضاً المكونة من 8 أفراد".

يصل ثمن الآلة الموسيقية الواحدة، إلى 5 شواكل (1.4 دولار)، "وهو سعر متدنٍّ جداً، مقارنةً بالجهد والوقت الذي تحتاجه حتّى تخرج بهذا الشكل للزبائن"، كما قال حميدة.

لكنه يشعر بالسعادة لاحترافه هذه الصناعة، لأنها توفّر له مساحة لتفريغ الطاقات والهدوء النفسي أيضاً في ظل ضغوطات الحياة الكبيرة.

يتحدث حميدة عن اليرغول بحماسة فيقول إن "الألحان المنبعثة من هذه الآلة تزرع الفرحة أيضاً في نفوس المستمعين لها، خاصة على شاطئ البحر الذي يرتاده أشخاص ضاقت بهم سبل الحياة ويعانون من الضغوطات الاقتصادية التي يعيشونها".

ويعيش سكان قطاع غزة، الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، أوضاعاً اقتصادية متردّية جرّاء استمرار الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 15 عاماً.

ونتيجة الحصار والانقسام السياسيّ الداخلي، ارتفعت البطالة إلى 50 بالمئة، والفقر إلى 50 بالمئة أيضاً، بحسب إحصائيات صادرة عن مؤسسات رسمية وحقوقية.

وهذا الواقع أفرز حالاتٍ من الشبّان المثابرين الذين تحدّوا الواقع بأقل الإمكانات المتوفرة، كما هي الحال مع حميدة، رافضين أن يستسلموا للواقع الصعب.

+

خبر عاجل

#title#