ما الذي يعنيه أن تكوني أم الشهيد؟ - عبير النّحاس

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

لم أتخيل يوما وأنا أجلس مع ابنائي في المساء أحكي لهم قصص السيرة النبوية وحكايات الصحابة أنني أجلس مع شهيد سيكون من سكان الجنة بعد أعوام قليلة.

ولم أكن أفكر أن مجموعتي القصصية الأولى التي كتبتها عن أبطال فلسطين وسميت أحد أبطالها باسمه أنه سيتأثر بها أيضا، ويحلم بالشهادة وينالها حقيقة.

ولم يخطر ببالي يوما أن أمتحن ويمتحن هو في إيماننا عندما بدأت الثورة في سوريا وأصبح الجهاد واجبا وواقعا أيضا في بلادنا بعد أن كنا نتخيله موجودا فقط في فلسطين.

وكنت قبل هذا أشعر بالغيرة من نساء فلسطين لأنهن يمتلكن شفعاء كثر لهم يوم القيامة، وأشفق عليهن في الوقت ذاته لأن ألم الفراق عميق وكبير جدا.

كان الشهيد متميزا جدا بذكائه، وموهبته في كتابة الشعر وفي دراسته، يصوم كل اثنين وخميس بسهولة، ولا يترك صلاته أبدا، وقد بدا دراسته الجامعية في علوم هندسة الحاسوب التي يحبها، وكان محبوبا، لطيفا، جميل الروح، وتوقع له الجميع مستقبلا مشرقا، وكنت أحلم أن أراه ذو شأن عظيم.

في ذلك اليوم الذي ودعته فيه وهو ذاهب مع رفاقه، قبلته طويلا، طلبت منه أن يعتني بنفسه، وبرفاقه، وأن يثبت.

وطلب مني أن أكون راضية عنه، وأن أبقى قوية، ولا أبكي.

كنا نتكلم طويلا وهو في جهاده، وكنت سعيدة جدا لسعادته هناك، لقد كانت له فلسفته الرائعة في جهاده والتي تجعله يتقبل كل ما يحصل من جوع وتعب وبرد بروح طيبة راضية، ولم يفكر أحدنا في التراجع لحظة.

وفي الوقت التي أخبروني به باستشهاده أتذكر جيدا أنني خشيت أمرا واحدا فقط وهو ألا أبقى راضية عن الله تعالى وبالقدر، فأسرعت نحو الأرض أسجد لله سجدة شكر طويلة، وأطلب منه أن يمنحني الصبر، والرضا، والثبات.

الأمر لم يكن سهلا بالتأكيد، وما زلت كلما ذكره أحدهم تسبقني الدموع وتغلبني، وكلما تذكرته وحدي أبكي حتى أتعب، لكنني أردت تنفيذ وصيته كما أرادها، وأن أبقى قوية، صلبة، ثابتة، وراضية، بل وسعيدة أيضا، واتخذت قراري.

في السنتين الأولى والثانية لاستشهاده كنت أبحث في صوره كثيرا والأفلام التي يظهر بها، وكنت أمرض من شدة الحزن، وتذكرت جدتي التي أصابها المرض لشدة حزنها وبكائها عندما فقدت أحد أبنائها وتوفيت بسببه، فقررت أن ألا أرى ما يذكرني به لأصمد وأتماسك وأحافظ على وصيته وعهدنا معا بأن أبقى امرأة قوية وصلبة.

اعتدت عندما تشتعل الأشواق في قلبي أن أتخيله في الجنة يمرح مع رفاقه، وأن أتذكر أيضا الكثير من صديقاتي ومعارفي وعدد لا ينتهي من الأسر في بلادنا سافر أبناءها وهاجروا للدراسة والعمل، وهم يعانون مثلي من نار الشوق، لهم لكنهم لا يعلمون مثلي أن أبناءهم سعداء.

ولأني لا أحب أن أعتمد على أحد اتخذت قراري بأن تكون لي أنا أيضا أعمال رائعة يحبها الله تعالى، وتكون سببا في دخولي الجنة حتى وإن كان هناك من ينتظرني ليفتح لي الأبواب، وكان انشغالي هذا سببا في قدرتي على تجاوز أشواق الفراق المؤلمة.

كنت أتذكر أيضا أن هذه الدنيا قصيرة وأن الزمان يمضي بسرعة مذهلة وأن سنوات العمر سرعان ما تمضي وأن الكثير من البشر سيموتون وهم لا يعلمون مكانهم هل هو في الجنة أم في النار ولا يملكون من يشفع لهم كما أملك أنا.

فما الذي يعنيه أن تكوني أما لشهيد:

كأم أعتقد دائما أن مهمتي مع أولادي تنقسم إلى قسمين أولها أن أدربهم على العيش في هذه الدنيا كأشخاص سعداء ناجحين، والثانية أن أصل بهم ومعهم إلى الخاتمة الحسنة والجنة، ولم أكن أعلم انني سأحقق هذا وأراه واقعا قبل أن تنتهي هذه الحياة.

أن تكوني أما لشهيد يعني أنك قد أديت مهمتك كأم على أكمل وأجمل وجه عندما ضمنت مستقبل ابنك في الحياة الأخرة الخالدة وليس في هذه الدنيا القصيرة فقط، وهو ما يتمناه كل إنسان لنفسه وأولاده ومن يحب ولا يصل إليه إلا الشهداء.

لم تضمني مستقبل الشهيد وحسب بل مستقبلك أنت وإخوته لأن الشهيد سيشفع يوم القيامة لسبعين من أهله.

وهو يعني أنك ربيت ولدك بطريقة صحيحة صادقة، وأن ما قمت بتعليمه إياه قد أثمر وأصبح حقيقة وواقعا يشهد بصدقك أنت أولا.

وهو يعني أن الله اصطفاكم واختاركم لتكونوا من سكان الجنان وأنه يحبكم لأن الجنة لا يسكنها غير أهل الصلاح.

وهو يعني أن ابنك مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والصالحين في الجنة وهذا خير له من كل مناصب الدنيا ومالها.

علينا أن ندرك كأمهات للشهداء أن العمر محدد لا يتغير، وأن أعمارنا وأعمار أولادنا وكل من حولنا محدودة لا تزيد ساعة مهما حاولنا حمايتهم، و أن أولادنا لو لم تكتب لهم الشهادة لما نجوا من الموت في الساعة المحددة لقبض أرواحهم، وفرق كبير بين من يموت شهيدا وبين من يموت في حادث سير مثلا، أو مرض، أو غيره.

أتخيل هذا دائما لأصبر نفسي وأحتمل ألم الفراق، بينما انتظر ساعة اللقاء الجميلة بيننا، فأعود قوية صلبة وسعيدة أيضا.

كتبت هذا ليكون دليلا لأمهات وزوجات الشهداء، واللواتي يزداد عددهن كل يوم لأن أطماع أعدائنا في بلادنا تزداد شراسة، وبخاصة في البلدان المسلمة التي بدأت شعوبها تفهم وتعي اللعبة، وتدافع عن حقوقها وثرواتها كتركيا وسوريا.

فاثبتن يا أمهات الشهداء، وافرحن بالعطاء العظيم الذي وصل إليكن وإلى أبنائكن، وأسعدن أنفسكن ومن حولكم ممن بقي من الأولاد، تذكروا جمال اللقاء بأحبابكن يوم القيامة، ولا تنسين أبدا أنهم الأن سعداء جدا وهم يمرحون في الجنة، وأنهم ينتظرون قدومكن في شوق وفخر.

+

خبر عاجل

#title#