
تصريحات نتنياهو بعد زيارته الخامسة للولايات المتحدة عام 2025 مع ترامب، حملت رسائل حسّاسة بشأن تركيا.فبينما واصل الرئيس دونالد ترامب إطراءه المعروف على الرئيس رجب طيب أردوغان — وهو ما سمعناه منه سابقًا — كان في الواقع يبعث أيضًا برسالة إلى إسرائيل مفادها: «كونوا عُقلاء».
ترامب، الذي قال إن أردوغان زعيم قوي ويُكنّ له الاحترام، أكّد أن تركيا أصبحت الفاعل الأبرز والرابح في الساحة السورية. كما أعرب عن انفتاحه على حلّ قضية طائرات F-35، مشيرًا إلى أن الأمر لن يشكّل تهديدًا لإسرائيل — وهي رسالة واضحة لمن يقومون بالضغط ضد بيع هذه الطائرات لتركيا.
وفي الوقت الذي أثنى فيه ترامب بكلمات قوية على الزعيم السوري أحمد الشرع، اكتفى نتنياهو — بدل طرح مطالب قصوى — بالقول إنهم لا يريدون الدخول في مشكلة أمن حدودي مع هذا البلد. كما كرر ترامب تهديده بأنه قد يضرب إيران مجددًا إذا لزم الأمر، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أنه لن يكون عدوانيًا بالقدر الذي يريده نتنياهو.
ورغم أن المؤتمر الصحفي بدا مليئًا بالمجاملات المتبادلة بين الزعيمين، فإن الرسائل التي بعث بها ترامب بخصوص تركيا وسوريا وإيران وقضايا المنطقة لم تكن من النوع الذي يروق لنتنياهو كثيرًا.
الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا
قبيل تولّي ترامب السلطة مباشرة، برز سقوط نظام الأسد باعتباره نجاحًا للسياسة التركية في سوريا. وأصبحت إعادة توحيد البلاد سياسيًا ورفع العقوبات الدولية عنها من أكثر القضايا إلحاحًا. هنا بذلت تركيا جهودًا كبيرة — سواء لدفع العالم العربي للمشاركة في الحل، أو لطمأنة الولايات المتحدة وأوروبا بشأن مخاوفهما من دمشق.
وفي المقابل، أظهر سلوك إسرائيل — سواء بتوسيع تدخلها داخل سوريا بذريعة حماية الجولان، أو عبر تصريحاتها الداعمة لتنظيم واي بي جي (قسد) والدروز، أو من خلال هجماتها على دمشق — أنها ستؤدي دورًا مزعزعًا للاستقرار هناك. وبعد أن وجّهت إسرائيل ضربات حسّاسة لخصمها الإقليمي إيران بمساعدة الرئيس الأمريكي الجديد، بدأت ترى في تركيا منافسها الإقليمي الجديد في سوريا والمنطقة.
ومع تصاعد الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا إلى ذروته، رأينا أن ترامب لم يمنح هذا الخطاب وزنًا، بل اعتقد أن الاستقرار في سوريا لا يمكن تحقيقه إلا بفضل تركيا. ومن هنا جاءت عبارته الموجهة لنتنياهو: «كنْ عاقلًا تجاه تركيا».
قبيل زيارته الأخيرة لواشنطن هذا الأسبوع، عقد نتنياهو قمة ثلاثية مع اليونان وإدارة جنوب قبرص الرومية، وقال — دون أن يذكر تركيا بالاسم — إن هناك من يحلم بإعادة إقامة إمبراطوريات في المنطقة. ومع معرفة نتنياهو بموقف ترامب الإيجابي من أردوغان، فإن تجنّبه ذكر تركيا صراحة لم يكن صدفة.
ترامب يفضّل الاستماع لكل من أردوغان وشَرا في الملف السوري، ويعمل على تقييد التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار. وهو يريد في النهاية سحب القوات الأمريكية من سوريا، لكنه يرى أن هذا الأمر غير ممكن قبل تحقيق الاستقرار هناك.
«تركيا لن تستخدم طائرات F-35 ضد إسرائيل»
أبدى ترامب خلال المؤتمر الصحفي موقفًا إيجابيًا بشأن بيع مقاتلات F-35 لتركيا، قائلًا: «نحن نفكّر في ذلك بشكل جدي». ومع علمه بأن هذه الرسالة لن تُعجب نتنياهو، كان ترامب في الواقع يردّ على الخطاب الإسرائيلي — وخاصة داخل الكونغرس — المعارض لشراء تركيا هذه الطائرات.
وبحسب القوانين الأمريكية، يجب الحفاظ على التفوّق العسكري النوعي لإسرائيل في أي صفقات تسليح تُباع لدول الشرق الأوسط. ورغم أن هذا الشرط لا ينطبق في الأصل على تركيا بصفتها دولة في حلف الناتو، فإن اللوبي الإسرائيلي بدأ يروّج مؤخرًا لفكرة ضرورة شمول تركيا بهذه القيود أيضًا.
وتشير سيناريوهات المواجهة أو حتى الصدام المحتمل بين إسرائيل وتركيا في سوريا — كما تُطرح في الإعلام الإسرائيلي — إلى أن تل أبيب ترى تركيا منافسها الإقليمي الجديد وتعتقد أنه ينبغي الحدّ من قوتها العسكرية.
لقد تمتعت إسرائيل طويلًا بما يشبه حق الفيتو العملي على مبيعات السلاح المتطور لدول المنطقة بفضل نفوذها داخل الكونغرس. ويدرك ترامب جيدًا أنه سيضطر إلى مواجهة هذا اللوبي إذا أراد إعادة إشراك تركيا في برنامج F-35. لذلك حاول — بقوله إن تركيا لن تستخدم هذه الطائرات ضد إسرائيل — أن يُظهر أن حجج اللوبي لا أساس لها.
ومع أن نتنياهو يكرر أن ترامب هو «أكبر صديق لإسرائيل»، فإنه سيجد من الصعب الوقوف بوجه رغبة ترامب في بيع الطائرات لتركيا. صحيح أن نفوذ إسرائيل داخل الكونغرس ما يزال قائمًا، لكنه تعرّض لضرر كبير على مستوى صورتها السياسية، كما أن ترامب لا يتردد في انتقادها علنًا حين يراها مخطئة.
ومثلما لم يتردد في الضغط على نتنياهو بخصوص وقف إطلاق النار في غزة والاستقرار في سوريا، يمكن توقّع أن يتخذ موقفًا مشابهًا حيال قضية F-35 عندما تتوافر الظروف المناسبة.
تصريحات ترامب الواضحة خلال المؤتمر الصحفي تعكس إيمانه بأن تركيا تؤدي دورًا حاسمًا في تقرير مصير المنطقة. فبينما يكرر دائمًا أن علاقته بالرئيس أردوغان ممتازة، يبدو في المقابل وكأنه يمنح نتنياهو هامش الدعم مكرهًا بسبب نفوذه داخل السياسة الإسرائيلية والكونغرس.
وقد أبدى ترامب سابقًا انزعاجه من تهنئة نتنياهو لبايدن بعد انتخابات 2020، وذكّر إسرائيل — بالإشارة إلى المساعدات الأمريكية — بأن العلاقة بين البلدين ليست علاقة متكافئة. كما عبّر عن استيائه من نتنياهو الذي ضغط عليه بشأن ملف غزة. والجميع يدرك أن علاقتهما لم تكن بالقدر من الود الذي ظهر خلال المؤتمر الصحفي.
التصريحات الإيجابية التي قالها ترامب عن أردوغان وشَرا تحمل — في باطنها — رسالة موجهة إلى نتنياهو. وكل ذلك يشير إلى أن الفترة الممتدة حتى انتخابات منتصف المدة في نوفمبر 2026 تشكل فرصة ثمينة للعلاقات التركية-الأمريكية. فخسارة ترامب لأي من مجلسي الكونغرس حينها قد تجعل من الصعب عليه اتخاذ خطوات — مثل ملف F-35 — تخصّ تركيا.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة