احتجاجات إيران في ظل التدخل الخارجي ومأزق النظام

08:0716/01/2026, Cuma
تحديث: 21/01/2026, Çarşamba
قدير أوستون

أدخلت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران بسبب الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، والتي سرعان ما تحولت إلى مظاهرات مناهضة للنظام، البلادَ في مرحلة حرجة، ولا سيما بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتنفيذ عمليات عسكرية. وقد أسهمت دعوة ولي العهد المقيم في الولايات المتحدة، رضا بهلوي، إلى مواصلة الاحتجاجات، وتداول أنباء عن نشاط إسرائيلي ميداني، إلى جانب الخطاب المتشدد الذي تبناه ترامب، في تكثيف التقديرات التي رجّحت إمكانية سقوط النظام هذه المرة. غير أن التخفيف النسبي في لهجة ترامب يوم الأربعاء

أدخلت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران بسبب الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، والتي سرعان ما تحولت إلى مظاهرات مناهضة للنظام، البلادَ في مرحلة حرجة، ولا سيما بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتنفيذ عمليات عسكرية.

وقد أسهمت دعوة ولي العهد المقيم في الولايات المتحدة، رضا بهلوي، إلى مواصلة الاحتجاجات، وتداول أنباء عن نشاط إسرائيلي ميداني، إلى جانب الخطاب المتشدد الذي تبناه ترامب، في تكثيف التقديرات التي رجّحت إمكانية سقوط النظام هذه المرة. غير أن التخفيف النسبي في لهجة ترامب يوم الأربعاء بدا وكأنه هدّأ التقارير التي تحدثت عن أن استهداف الولايات المتحدة لأهداف تابعة للنظام الإيراني بات وشيكًا.

وفي ظل انقطاع الإنترنت في إيران منذ نحو أسبوع، لا تتوافر معلومات موثوقة عن مجريات الأحداث، إلا أن المؤشرات تدل على أن النظام ينفذ حملة قمع واسعة كلفت حياة آلاف الأشخاص. وكان النظام، في بداية الاحتجاجات، قد استخدم خطاب «الاستماع إلى الشعب»، إلا أنه، عقب الحديث عن تدخلات أمريكية وإسرائيلية، بدا وكأنه خلص إلى أن الخيار الوحيد المتاح أمامه هو قمع المظاهرات بالقوة.

ويبدو أن ترامب، الذي واصل توجيه التهديدات إلى غرينلاند وإيران بثقة مفرطة بعد عملية مادورو، قد حسم موقفه، في المرحلة الراهنة، بتبني سياسة الضغط الأقصى لانتزاع أكبر قدر من التنازلات، بدلًا من السعي المباشر إلى إسقاط النظام الإيراني.


التدخل الخارجي


يشكل إعلان إدارة ترامب دعمها السياسي للاحتجاجات المناهضة للنظام ومحاولتها توجيهها بشكل علني تحولًا دراماتيكيًا في موقف واشنطن. ففي عهد الرئيس باراك أوباما، امتنعت الولايات المتحدة عن دعم احتجاجات «الحركة الخضراء»، مفضّلة إعطاء الأولوية للاتفاق النووي، كما تجنبت لاحقًا تقديم دعم صريح لموجات احتجاج محدودة شهدتها إيران في فترات متفرقة. أما تدخل إدارة ترامب في احتجاجات الأسبوعين الأخيرين، فقد بلغ حد إدخال أجهزة «ستارلينك» إلى إيران بطرق غير مشروعة.

وتشير تقارير إلى أن النظام الإيراني، الذي قطع خدمة الإنترنت منذ أكثر من أسبوع، حصل من الصين على تقنيات تمكّنه من تعطيل هذه الأجهزة، واتخذ إجراءات صارمة بحق من يستخدمها، في ما يعكس استمرار حرب معلومات غير متكافئة على نحو كامل. وإلى جانب وعود الدعم السياسي من واشنطن، فإن مساعيها، بالتنسيق مع تل أبيب، لتعزيز قدرات التواصل لدى المعارضة، تدل على أن الولايات المتحدة تبذل أقصى ما في وسعها لإضعاف النظام عبر هذه الاحتجاجات.


وخلال «حرب الأيام الاثني عشر» في حزيران الماضي، كان ترامب قد تعرّض لضغوط شديدة من بنيامين نتنياهو لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما جعله حريصًا على حصد الرصيد السياسي في حال نجاح الاحتجاجات. وكان يدرك أن تهديداته بالتدخل العسكري، التي أطلقها منتشيًا بما اعتبره نجاحًا في «عملية مادورو»، لا يمكن لطهران تجاهلها. ومع ذلك، يبدو أن مستشاريه أبلغوه بأن سقوط النظام ليس وشيكًا، ما دفعه هذا الأسبوع إلى التركيز على تصريحات تفيد بحصول واشنطن على ضمانات بعدم إعدام المتظاهرين في إيران.


وبعد أن أبدى امتعاضه من دفع نتنياهو له نحو مواجهة عسكرية مع إيران خلال «حرب الأيام الاثني عشر»، لا يبدو ترامب مقتنعًا، في الوقت الراهن على الأقل، بخوض عملية عسكرية مفتوحة أو تهدف إلى إسقاط النظام. فترامب، الذي يعتقد أنه أثبت من خلال اغتيال قاسم سليماني، واستهداف المنشآت النووية، و«عملية مادورو»، قدرته على معاقبة أي طرف في الوقت الذي يختاره، لا يرى — على ما يبدو — خيارًا يتيح له تحقيق نتائج سريعة في إيران على غرار تلك العمليات.


هل يسقط النظام الإيراني؟


إن لجوء النظام الإيراني إلى استخدام ذريعة التدخل الخارجي لتبرير قمع الاحتجاجات بالقوة يشير إلى عجزه عن إنتاج حل سياسي. كما أن تحرك الولايات المتحدة و«إسرائيل» مستفيدتين من خروج الناس إلى الشارع يوفر للنظام مادة لتبرير تشديد قبضته الأمنية. وإلى جانب ذلك، فإن تراجع نفوذ إيران خلال العامين الأخيرين، سواء عبر ضعف علاقتها بـ«حزب الله» في لبنان أو اضطرارها إلى الانسحاب من سوريا، أدى إلى إضعاف موقعها الجيوسياسي بشكل ملحوظ.


ويبدو أن النظام، العاجز عن إيجاد رد فاعل على الهجمات الإسرائيلية المتكررة، بما في ذلك تنفيذ عمليات اغتيال في قلب طهران، يفتقر أيضًا إلى القدرة السياسية على إدارة المعارضة الداخلية. كما أن اقتصاره على القمع بوصفه خيارًا وحيدًا يعكس مدى تراجع قدرته على التفكير الاستراتيجي. فالنظام، الذي يعجز عن الرد على الولايات المتحدة و«إسرائيل» الداعمتين للاحتجاجات حتى باتتا وكأنهما على عتبة بابه، يفتقر إلى الرؤية والقدرة اللازمتين لاستقطاب المعارضة الداخلية في مواجهة التدخل الخارجي، أو حتى تحييدها.


ورغم وضوح مواطن الضعف، إقليميًا وداخليًا، والأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها النظام الإيراني، فإن التنبؤ بنهايته ليس أمرًا سهلًا. فقد نجحت النخب الحاكمة، على مدى سنوات طويلة، في الحفاظ على النظام رغم الضغوط الدولية والعقوبات، حتى وإن كان ذلك على حساب تحوله إلى دولة منبوذة. وهي لا تتردد اليوم في الانخراط في دوامة عنف قد تودي بحياة الآلاف. غير أن التجارب، كما في سوريا وحتى في «إسرائيل»، تُظهر أن القوة الغاشمة قد تُبقي السلطة قائمة عند غياب الشرعية السياسية، لكنها لا تفتح الطريق أمام حل سياسي شامل.


إن قدرة النظام الإيراني على الصمود في وجه الضغوط الخارجية والاستمرار في قمع المعارضة الداخلية لا تعني امتلاكه القدرة على تحقيق استقرار داخلي قائم على توافق سياسي ووحدة وطنية. ومن الطبيعي أن لا يثق النظام بواشنطن التي انسحبت من الاتفاق النووي، واغتالت سليماني، واستهدفت منشآته النووية، غير أن ما شهدناه خلال «حرب الأيام الاثني عشر» من محاولات تنسيق مع الولايات المتحدة لا ينبغي إغفاله. وبعبارة أخرى، يمتلك النظام الإيراني قدرة على اتخاذ خطوات سياسية «عقلانية» عندما يشعر بتهديد وجودي، وهو بحاجة إلى توظيف هذه القدرة في التعامل مع القضايا الإقليمية ومع شعبه على حد سواء.


ومن الواضح أن داخل إدارة ترامب تيارًا لا يرغب في الانجرار إلى حرب شاملة مع إيران تحت عنوان «أمن إسرائيل». كما أن ترامب، بحكم حساباته الداخلية ونهجه القومي في السياسة الخارجية، يشعر أحيانًا بالحاجة إلى استعراض القوة، وهو ما تجلى بوضوح في «عملية مادورو» التي جاءت في سياق سعيه لترسيخ نفوذ إقليمي في النصف الغربي من الكرة الأرضية. ولا يشك أحد في قدرة ترامب على توجيه ضربة إلى إيران، لكن الغموض يحيط بما الذي يهدف إلى تحقيقه من وراء ذلك، وما الذي يمكن أن يجنيه فعليًا.


فإذا أقدم على إسقاط النظام، يبقى السؤال مطروحًا: كيف سيخدم ذلك المصالح الأمريكية؟ إن ترامب، الذي يوجّه انتقادات متكررة لحربي أفغانستان والعراق، لا يرغب في خوض مغامرة جديدة من نوع «الحروب التي لا تنتهي». ومع ذلك، فإنه لن يتردد في المطالبة بنصيب من الفضل إذا سقط النظام الإيراني، تمامًا كما فعل بعد مادورو حين لوّح بفكرة «إدارة فنزويلا». وبالمنطق نفسه، قد يسعى إلى لعب دور «إدارة إيران» في حال انهيار النظام. غير أن إدراكه لعدم توافر شروط هذا السيناريو، على ما يبدو، دفعه إلى وضع الخيار العسكري على الرف في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن الدعم السياسي والمادي المباشر الذي تقدمه إدارة ترامب للاحتجاجات يدل بوضوح على أن واشنطن تخلت عن سياسة النأي بالنفس إزاء الاضطرابات الداخلية في إيران.

#النظام الإيراني
#الاحتجاجات الإيرانية
#إيران
#ترامب