نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

ربما لم نكن قد حزنا إلى هذا الحد لو كان حدث هذا في أي دولة أخرى من دول العالم الإسلامي. فعندما كان الرئيس الأمريكي يسيء أمام أعين العالم أجمع إلى ملك ذلك البلد تكون داخلنا جميعا شعور بالخزي والغضب والعصيان.

يجب أن يكون هذا هو شعورنا، لأننا نصلي كل يوم في اتجاه ذلك البلد. كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم مدفون هناك. ولهذا فإن من أسيئ إليه ليس ملك السعودية فحسب، بل شعرنا وكأنه شخص يمثل المسلمين كافة.

إن ذلك الشخص يعلن نفسه "خادما" للحرمين الشريفين، بمكة والمدينة، المقدسين بالنسبة لنا جميعا. لا يستطيع ترامب احتقار عامل نظافة في مكة والمدينة، لكنه احتقر ملك ذلك البلد أمام أعيننا جميعا، ولم ينبس الملك ببنت شفة.

قنصلية أم مسرح جريمة؟

عندما وصلت أمام مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول كان ذلك الغضب إزاء المسؤولين السعوديين الذين لم يرفعوا، أو لم يستطيعوا رفع، أصواتهم للرد على هذه الإساءة، لا يزال حيا بداخلي. والآن قد تضاعف غضبنا ضعفين بسبب واقعة أخرى.

إن هذه القصنلية المحاطة بسور من حديد متهمة حاليا بتحولها إلى مسرح لجريمة. فالصحفي جمال خاشقجي اختفى بعدما دخل هذا المبنى الكائن بحي ليفنت في إسطنبول تاركا خارجه خطيبته التركية خديجة.

ولقد قدم صديقي توران كشيلاكتشي، رئيس جمعية بيت الإعلاميين العرب في تركيا، الذي يتابع القضية منذ يوم اختفاء خاشقجي، معلومات مرعبة للرأي العام. وأتحدث كل يوم مع كشيلاكتشي ومساعده فاتح أوكه. وفي كل مرة يزيد اندهاشي وغضب وكراهيتي. ذلك أنه لو كان ما يقال صحيحا، فهذا يعني أن هذا المبنى هو مسرح للجريمة تقطع فيه أجساد البشر وتعبأ كما يحدث في مجزر الحيوانات أعزكم الله.

يوجد بيانات أكيدة لدى قوات الأمن حول مقتل خاشقجي، وهو ما جعل الرأي العام العالمي يجتمع بشكل قوي على هذا الأمر بواسطة وسائل الإعلام الأجنبية. لقد كان مبنى القنصلية منذ ذلك اليوم محط أنظار وسائل الإعلام، واليوم أنظر إليه بغضب. فأمامه مئات الصحفيين والكتاب والناشطين.

هجوم مشين ضد مكانة تركيا

يقف مراسلو وكالات الأنباء والقنوات الغربية أمام مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول ليقدموا نشراتهم وهم عاجزين عن إخفاء تعبيرات الحيرة والدهشة أمام عدسات الكاميرات ويقولون "نعم، ثمة ادعاءات مفادها أن خاشقجي الذي دخل هذا المبنى قتل على يد فريق إعدام مكون من 15 شخصا جاؤوا من السعودية ثم قطع جسده إلى قطع ونقل من المبنى..."

إن حتى سرد هذه الواقعة يصيب الإنسان بمشاعر في غاية الرعب.

وقد اعتبرت الدولة التركية هذه الجريمة هجوما موجها بشكل مباشر ضد مكانتها واعتبارها. كما يتابع الرئيس أردوغان القضية بنفسه، وقد فتحت النيابة تحقيقا وتعمل كل وحدات الأمن على قدم وساق. وقريبا ستجري تفتيشا داخل القنصلية. بيد أن وحدات الأمن كذلك تعلم أنه لن تعثر على شيء، لكن يجب عليها تفتيش محل الواقعة كإجراء ضمن التحقيق الرسمي.

تحاول تركيا تحديد ملامح خريطة الطريق التي ستتبعها في حالة إعلان صحة هذه الواقعة التي في حالة ثبوتها، يجب أن يكون مقابلها جاد وخطير للغاية. ذلك أن هذا الهجوم هو هجوم يهز الثقة بالدولة التركية ومكانتها ومسؤوليتها إزاء الأجانب المقيمين على أراضيها.

وقريبا ستعلن تركيا الأمر بشكل واضح. ومن جانبنا ندعو الله لتكون كل الادعاءات كاذبة ويكون خاشقجي على قيد الحياة، بيد أنه احتمال ضعيف.

ما هذه الدولة؟

إن إقدام دولة على ارتكاب جريمة داخل قنصليتها ليس شيئا يمكن أن يستوعبه المرء بسهولة. لكن عقلية الإرهاب والمافيا يمكن أن تقوم بشيء كهذا. تذكروا أن الأمير ابن سلمان احتجز حشدا من أعضاء العائلة المالكة ورجال الأعمال والدولة والمحترمين من رجال عائلته داخل أحد الفنادق. وانتشرت ادعاءات تشير إلى أنه عذبهم وأجبرهم على التوقيع على وثائق للاستيلاء على ثروتهم. وهو ما يعتبر خزيا آخر بالنسبة للدولة السعودية. فالعقلية التي فعلت شيئا كهذا من الممكن جدا أن ترتكب هذه الجريمة.

كان خاشقجي ينتقد في مقالاته بجريدة واشنطن بوست الأمريكية هذا النوع من السياسيات التي ينتهجها ابن سلمان ملك السعودية المستقبلي والحاكم الفعلي للبلاد حاليا. كان خاشقجي صديقا لتركيا (ويعود أصل عائلته إلى الدولة العثمانية). كان يمتلك بيتا في تركيا، وكان قد أتى إلى القنصلية مع خطيبته ليتزوجها.

تعلمون أن السعودية والإمارات تقف على جبهة أمريكا وإسرائيل ضد تركيا التي تتخذان إزاءها موقفا عدائيا. وفي الواقع فإن هذه الجريمة تبدو وكأنها عملية نفذت لوضع تركيا في وضعية أصعب وتدمير علاقات البلدين بالكامل.

كان خاشقجي ينتقد النظام السعودي، ولو كان بشكل غير قاس، بسبب ما يفعله في اليمن من حصار وهجمات تؤدي إلى قتل الأطفال ومواقفه في سوريا التي تسفر عن مصرع المدنيين الأبرياء، فضلا عن سياساته القمعية ضد مواطنيها في الداخل. ويبدو أن النظام لم يتحمل حتى هذا النقد.

هل يصدر علماؤنا فتوى؟

ينتهج النظام السعودي سياسة مخزية، بغض النظر عن الزاوية التي تنظرون من خلالها إلى المسألة. لم يشهد العالم الإسلامي وجود أي دولة أخرى غير السعودية تحتقرها واشنطن لهذه الدرجة وتفرض عليها الجزية وتعاملها كما يعامل السيد عبده.

المحزن في الأمر أن مكة والمدينة تقعان على أراضي هذه الدولة. ونحن مضطرون للذهاب إلى هذا البلد، الذي صار وصمة عار للمسلمين، من أجل العمرة والحج. وربما لا نكون مجبرين على الذهاب إلى هناك. فلا أدري هل يمكن أن يصدر علماؤنا فتوى حول مدى فرضية الذهاب من أجل الحج إلى بلدة مقدسة واقعة في الأسر؟

+

خبر عاجل

#title#