نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

لا، ليس الأمر كما تتصورون، فالرئيس الأمريكي ترامب استمر في نشر التغريدات عبر حسابه على تويتر عن القس برونسون، وكأنه صحفي يغطي حدثًا بالبث الحي، إذ كتب "أطلق سراحه.. عاد إلى منزله.. إنه في الطريق.. استقل الطائرة.. سأعانقه بعد قليل".

فجلست لأعد ما فعله ترامب خلال يومين: 15 تغريدة، 4 مقاطع مصورة، 3 برامج حوارية تلفزيونية، تصريحان، عدد لانهائي من الغمز واللمز.

لم يتوان عن سرد كيف أنقذ برونسون، وكيف أنه رجل عظيم، وكيف أنه دعا له بالخير. وبطبيعة الحال لم يكتف بمخاطبة الناخبين الذين سيدلون بأصواتهم في الانتخابات النصفية التي على الأبواب بقوله "ستدعون لي بالخير"، بل قال كذلك "ستدلون لي بأصواتكم أيها الإخوة التبشيريّون".

حتى أن برونسون رد بتغريدة على ترامب قائلا "إنك يا سيدي أفضل رئيس رأيته في حياتي"، كأنه يقول عبارة الممثل الشهير المعروف بأدوار الراهب والجاسوس كيرت راسل وهو سعيد "يا لك من إنسان رائع!" (لا أمزح)، فرد ترامب بقوله "Thank you" (وهو يلوي شفتيه ليجعلهما مستديرتين).

طقوس لم يشهدها البيت الأبيض سابقًا

انتظروا، فأنا لم أحكِ بعد أروع المشاهد. والآن أنتقل للحديث عن الجزء الخاص بطقوس البيت الأبيض. فاعتبارًا من استقلال برونسون الطائرة من ألمانيا بدأ ترامب نقل التطورات عبر البث المباشر. بل لم يكفه هذا، ليدلي بتصريح في المطار: "الإنسان العظيم صاحب القلب الكبير القس برونسون الآن في الجو (وكأنه يعرض إحدى كراماته). نشعر بحماس كبير لاستقباله في البيت الأبيض يوم السبت. لا تتخيلون كم اشتقنا إليه. أدعو الله ألا يحرمنا منه ولا من دعائه..." (آمين!)

وما جعل كلام ترامب أكثر جذبًا للانتباه كانت حركات يديه وذراعيه وشفتيه ووجه وأنفه ورأسه. فعلى أي حال فإنهم قد رصّوا أكبر وسائل الإعلام في العالم صفوفًا داخل الغرفة ذات الموقد الشهير بالبيت الأبيض. لم ير أحد ذلك الموقد وهي مشتعل، بيد أنّ الغرفة هذه المرة كانت مضاءة بالنور المعنوي للقس برونسون.

لقد كان "أرفع" مسؤولي الدولة في تلك الغرفة، لم يغب نائب الرئيس ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية وأعضاء مجلس الشيوخ وقس كنسية البيت الأبيض (تمثيلا عن العالم المعنوي لعدم وجود منصب رئيس الشؤون الدينية في الولايات المتحدة) والمدير العام للأوقاف (لم أعرف سبب حضوره) والعاملون بالبيت الأبيض وأشخاص من الجماعة.

وقال ترامب "أنا أكثر من في هذه الغرفة يحتاج الدعاء"، ثم ركل الكرة إلى برونسون عندما خاطبه بقوله "يا سيدي". لا شك أن ترامب بحاجة إلى الدعاء، فالتحقيقات المفتوحة حوله ضيقت الخناق عليه كثيرًا. هذا فضلًا عن أنّ الشهر المقبل سيشهد الانتخابات النصفية... وفي الواقع، فإنّ الرجل ليس بحاجة لدعاء برونسون، بل لمساعدة من البابا شخصيًّا.

وبعد أن تسلم برونسون الكرة، بدأت طقوس لم يشهد مثيل لها في تاريخ البيت الأبيض. وضع القس يده على الذراع اليمنى لترامب (وقد استغرب الرئيس ماذا يحدث)، ثم أخرج نص دعاء من جيبه (ما يعني أن ذاكرته ضعيفة)، وبدأ يرتل دعاء أمّنت عليه الجماعة التي كانت موجودة في الغرفة بقولها "آمين آمين يا عيسى".

ولو سألتموني لأخبرتكم بأنهم كانوا كالذين يقرؤون إنجيل لوقا على روح العلمانية. لكن موضوعنا ليس الجدل حول العلمانية.

أدعية وتأمين من أجل ترامب

لقد كان الدعاء مثيرًا "يا إلهي، احم أمريكا، احفظ رئيسنا ترامب من كل بلاء ووباء وأعين الحاسدين، اجعل مكر من يمكرون لنا من نصيبهم، احم بلدنا من هجمات القوى الخارجية (لا سيما الصين وكوريا الشمالية وروسيا!)، احفظ وحدتنا ورفاهيتنا من كل سوء!..."

إنكم بحاجة لأن تروا ترامب (ملك عالم الاستعراض في وقت من الأوقات، ذلك الرجل الذي لا يعرَف عدد النساء اللواتي تحرش بهنّ في السابق) وهو يطأطأ رأسه ويقول "آمين، آمين، آمين..." فلم يشهد البيت الأبيض رئيسًا روحانيًّا حكم أمريكا في تاريخها كهذا الرجل.

ومن المثير في الأمر أنه في الوقت الذي كان الجميع يقول فيه "آمين" جلس المستشار الأمني بولتون واضعًا ساقًا فوق ساق وهو لا يردد معهم. ذلك أنه عمل سابقًا في وزارة الخارجية، أي "مسيو"، ولهذا أعتقد أنه يتعامل بحذر مع المسائل الدينية. معلومة ليست مهمة.

أنهى برونسون الدعاء، لكن الدعاء لم ينته؛ إذ بدأت زوجه المصون هي الأخرى بترتيل أدعية للرئيس تشبه "آية الكرسي" عندنا نحن معشر المسلمين، لتأمّن الجماعة كذلك على دعائها.

قس يتحول إلى حملة انتخابية

شاهد العالم أجمع كل هذه الطقوس في بث مباشر، ولم يكتف ترامب بهذا فحسب، بل وشارك عبر حساباته على تويتر وواتساب مقاطع مصورة من تلك الطقوس.

وأما قناة فوكس نيوز فبدأت تنشر الأخبار العاجلة وتتحدث باستمرار عن كرامات برونسون والدهاء السياسي لترامب وكذلك انتصاراته.

لقد تحول برونسون إلى ما يشبه العنصر الأساسي لحملة ترامب الانتخابية. ولم يشهد التاريخ الأمريكي استغلالًا لكيان قس ودعائه وكراماته إلى هذا الحد. ولا شك أن التبشيريين، الذين أصبحوا مركزًا قويًّا داخل أمريكا، سيمنحون أصواتهم في الانتخابات إلى ترامب، إن لم ينكروا الجميل بطبيعة الحال!

ونحن ماذا ربحنا؟

قال ترامب في إحدى تغريداته "لم أساوم تركيا، أنا لا أساوم من أجل الرهائن" ليبني جدارًا منيعًا خلف ستار قضية برونسون. وسنعلم قريبًا بشأن ماذا ساوم وماذا أعطى. لكن كان يجب أن نعيد إليه كلمة "الرهائن". لقد استردّ القس، فلماذا تفتري علينا أيها الشكّاء؟

جاءتني أسئلة حول وضعية وسائل الإعلام التي صورت برونسون على أنه "جاسوس" وأنه "كان سيتولى رئاسة السي آي ايه"، وأنه "أدار محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا". وأرى أنّ وضعيتهم جيدة للغاية! فهم يواصلون العمل دون توقف كعادتهم.

وإذا كان يجب أن نقول شيئًا جادًّا: لم أصدق –في الواقع– في أي وقت أنّ برونسون جاسوس. لقد كان رجل دين وشخصية مهمة. فالقضاء أصدر حكمه عليه لمساعدته التنظيم، ثمّ قضى عقوبته وبعدها أفرج عنه. لقد كان أمرًا محمودًا، نجونا منه!

إذا كنت تتساءلون "ماذا ربحنا نحن من هذا الأمر؟"، أقول إننا سننتظر لنرى. وإذا فشلنا في الخروج بأيّ منفعة، فعلى الأقل دعا لنا دعاء خير، علينا ألا نكون متشائمين!

+

خبر عاجل

#title#