
كان أحد العناوين الرئيسية في اجتماع وزراء خارجية الناتو في بروكسل هو: "السلام الذي سيتحقق في أوروبا سيكشف عن النظام الأوروبي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب". وجاء تعليق وزير الخارجية هاكان فيدان على النحو التالي: " الجميع يبذل جهدًا الآن لإيلاء أهمية أكبر للاتفاق المحتمل. فهذا لا يتعلق بالحاضر فحسب، ولا بإيقاف الحرب فقط، بل يتعلق أيضاً بما سيأتي لاحقاً. ستحمل الاتفاقية معها البنية الجديدة".
دعونا ننطلق من هذه النقطة..
أولاً: من الواضح أن "السعي نحو نظام جديد" ليس مقتصراً على السياق الأوروبي فحسب، بل هو عملية تدور أمام أعيننا على الساحة العالمية يومياً. فإذا كان النظام الأوروبي الجديد سيُبنى على أساس السلام المرتقب بين روسيا وأوكرانيا، فهذا يعني أن تلك "البنية" آتية لا محالة، بل ويعني أن "قدومها سيكون أمرًا جيدًا".
إن ماهية البنية والنظام الجديد لأوروبا لا يمكن أن تكون بمعزل عن خطط السعي إلى نظام جديد للنظام العالمي وإرسائه.
ولا يمكن تقييم ذلك بمعزل عن مستقبل تركيا ومنطقتها...
أثناء انعقاد اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، نشر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، الذي يتواصل بكثرة مع تركيا في هذه الفترة، مقالاً بعنوان "الفرصة الأخيرة للغرب". وكان عنوانه الفرعي: "كيف نؤسس نظاماً عالمياً جديداً قبل فوات الأوان؟" (الفرصة الأخيرة للغرب، 2 ديسمبر، مجلة فورين أفيرز).
إنها قراءة باهتة ومتأخرة، وأقصى ما تنشده هو الرغبة —بل والدعوة—إلى أن تفضي المنافسة الدائرة بين النظام النيوليبرالي والنظام المتعدد الأقطاب إلى انتصار «أوروبا القديمة» ومنظومتها الليبرالية مجددًا. وهذا يثبت تماماً تقادم أوروبا وعماها السياسي. وقد يُسعد المرء أن المقال يخصص مكانًا إيجابيًا لتركيا، ولكن يمكن اعتباره نسخة مُجمّلة من محاولة أوروبا القديمة للبحث مجددًا عن "طوق نجاة أو عكاز".
لو كانت فنلندا ومن على شاكلتها يتمتعون بالفطنة، لما أجهدوا أنفسهم للانضمام إلى الناتو في عام 2023. فهل يُتوقع من دول عاجزة عن رؤية ما بعد عام أو عامين لإدارة بايدن الأمريكية التي جرّتها إلى المواجهة مع روسيا، وعاجزة عن استشراف فوز ترامب أو إمكانية انتصار روسيا في الحرب، أن تتمتع بالذكاء الكافي لإنقاذ أوروبا؟
ولا يقف الإذلال الأوروبي عند هذا الحد؛ فبينما كان كوشنر وويتكوف منهمكين مع بوتين طوال خمس ساعات فوق الخرائط، في عملية تُشبه إعادة التقسيم – فيما تواصل موسكو التحدث بفوقية – كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُلقي على نظرائه الألمان والفنلنديين وغيرهم خطابًا مفاده: "قد تكون الولايات المتحدة بصدد التخلي عنا" ليس لديهم ما يتشبثون به. وفيما كان الانتقال جارياً من اجتماع الناتو إلى اجتماع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كان بوتين قد هبط بالفعل في نيودلهي لقضاء الليلة هناك. وقبل ذلك بأيام قليلة، كان ماكرون نفسه يسعى وراء مصالح متباينة في بكين خلال لقائه بالرئيس الصيني شي جين بينغ…
هذه لقطات يومية من "تفكك" أوروبا. يقول الجنرالات الألمان: "قطع البنتاغون التواصل معنا بشأن أوكرانيا؛ إنهم لا يتحدثون إلينا". وبرلين قلب الاتحاد الأوروبي، معرضة أيضًا لخطر سياسي كبير. ويُظهر استطلاع رأي أُجري في نوفمبر أن حزب البديل من أجل ألمانيا هو الحزب الأول. لكن برلين نفسها تواصل إطلاق صرخات الحرب والتصعيد ضد روسيا، في حين أن بريطانيا خفضت من حضورها.
هذا هو وضع أوروبا. لم يعد الاتحاد الأوروبي كما نعرفه.
في المقابل، يواصل السفير باراك توسيع الخريطة التي يرسمها. كانت الخرائط التي طرحها سابقًا قد وضعت تركيا ضمن مركز ثقل يمتد من بحر قزوين إلى شرق المتوسط والشرق الأوسط، أما النسخة الجديدة فقد باتت تشمل اليونان وقبرص أيضًا. وقد قال سابقًا إن «أثينا وأنقرة بمثابة حجرَي أساس، وستكون الولايات المتحدة بمثابة الملاط بينهما"، لكنه لم يوضح يومها طبيعة «الجدار» الذي سيُبنى. وها هو اليوم يُوضّح..
"لقد ربط طريق التوابل وطريق الحرير الشرقَ بالغرب عبر ثلاثة أو أربعة مسارات مختلفة. لقد اندمجت الحضارات على هذا الطريق وازدهرت. ويمكن أن يتكرر ذلك".
ولكن كيف؟
"لإنشاء نموذج ازدهار جديد، فكّروا في هذا: هناك موارد هائلة من الوقود الأحفوري في بحر قزوين، لكنها محجوبة عن الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط لأسباب سياسية. كيف يُمكن أن تظل هذه الموارد مغلقة في ظل وجود اليونان وتركيا اللتين تعبران بوابتين إلى البحر الأبيض المتوسط؟ وكيف يُمكن إزالة هذه العقبة السياسية؟ إن التدخل السياسي لا يمكن تجاوزه إلا بخلق الازدهار."
ويرافق ذلك أيضًا نقد موجَّه إلى "الدول القومية"، ولن نخوض في ذلك الآن، ولكننا نرى الآن محتويات حقيبة الأدوات الجديدة: الطاقة، والطرق، والمال. فطريق الحرير وطريق والتوابل سيجلبان مسارات تمتد من المتوسط إلى تركيا واليونان وصولًا إلى أوروبا. وهذه إحدى القضايا الجوهرية أصلاً: وصول الطاقة إلى أوروبا، وطبعًا لقاء مقابل، وليس بالضرورة أن يكون دائماً مالاً، بل يمكن أن تكون مدفوعات سياسية أيضا.
وبالطبع، تتشكل الخريطة أيضاً؛ فبعد بحر قزوين، أصبحت كل من كازاخستان وتركمانستان وأفغانستان والخليج وإسرائيل و"المسارات" تتحد. سيقوم "الرخاء" بتحويل الوسائل الاقتصادية إلى حقائق سياسية، وبهذه الطريقة ستتشكل أوروبا. الفرق في أسلوب ترامب هو أنه لا يحب أوروبا مثل أسلافه، بل يضربها...
كما أن قرار أوروبا بإنهاء مشترياتها من الطاقة الروسية بشكل كامل في موسم 2026-2027، وربما توقيع تركيا عقود الغاز المسال طويلة الأمد وبكميات كبيرة، هو كله مرتبط بهذا السياق. روسيا تقول لأوروبا: “إن كان لديكم المال فاشتروا”، ومن الواضح أنه سيكون غاليًا، لكنهم سيدفعون الثمن.
ولكن، يبدو من الصعب على أوروبا أن تتماسك وتحافظ على وحدتها، وأقصد هنا هيكل الاتحاد الأوروبي التقليدي، فالاتجاهات تتباين، وتظهر تكتلات جديدة، أحدها ذُكر صراحة: فرنسا وألمانيا وبريطانيا وتركيا. وثمة تكتل آخر على وشك الظهور: ألمانيا وروسيا وتركيا وأمريكا "العين اللامعة على قمة المثلث". إنها إحدى أقوى الصيغ على الورق.
خلال حرب أوكرانيا، كانت روسيا دائمًا هي من تذهب إلى الصين، والآن الصين تأتي إلى روسيا أكثر.
يبدو الأمر بعيدًا الآن، لكننا في النهاية نرسم "رسومات تخطيطية"، لكن لا يمكننا تسميتها "خربشات"، بل هي "رسومات تخطيطية متراكبة". فالأمر ليس مجرد الحصول على صورة واحدة من عدد لا يحصى من اللقطات، بل هو “عملية تجميع رسومات تنتمي إلى تخصصات مختلفة وتركيبها لتتناسق مع بعضها البعض"
ويمكننا القول إن تركيا تتطلع إلى الهندسة المعمارية الأوروبية الجديدة "ما بعد الاتحاد الأوروبي القديم". إنها تزخر بإمكانات كبيرة؛ يا لسخرية القدر، تركيا التي انتظرت عند أبواب أوروبا لعقود، تصبح اليوم مرشحة لإعادة تشكيل أوروبا من جديد.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة