اختطاف مادورو.. مقاربتان ورؤيتان مختلفتان للعالم

07:058/01/2026, Perşembe
تحديث: 9/01/2026, Cuma
سلجوك توركيلماز

لم تعد مفاهيم الغرب وأوروبا تشير إلى قارة أو عالم نجح في حل تناقضاته الداخلية. فالاختلافات القومية والدينية بين اللاتين والأنغلوساكسون، أو بين الكاثوليك والبروتستانت، عادت لتطرح من جديد بوصفها فئات قائمة بذاتها، مدفوعة بحسابات المنافسة والمصالح. هذا التحول يجعل التصنيفات التي شكّلت وعينا طوال قرابة قرنين من الزمن عاجزة عن أداء وظيفتها. وعندما يقال إن العالم الذي اعتدناه ينهار، فينبغي أن يتبادر إلى الذهن موجة تغيير هائلة. إن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله على يد الأمريكيين يبرهن

لم تعد مفاهيم الغرب وأوروبا تشير إلى قارة أو عالم نجح في حل تناقضاته الداخلية. فالاختلافات القومية والدينية بين اللاتين والأنغلوساكسون، أو بين الكاثوليك والبروتستانت، عادت لتطرح من جديد بوصفها فئات قائمة بذاتها، مدفوعة بحسابات المنافسة والمصالح. هذا التحول يجعل التصنيفات التي شكّلت وعينا طوال قرابة قرنين من الزمن عاجزة عن أداء وظيفتها.

وعندما يقال إن العالم الذي اعتدناه ينهار، فينبغي أن يتبادر إلى الذهن موجة تغيير هائلة. إن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله على يد الأمريكيين يبرهن على مدى قوة هذه الموجة. فالولايات المتحدة وبريطانيا، ومعهما اليهود، يدفعون العالم الغربي وأوروبا إلى تغيير داخلي عميق.

ولفهم ما جرى في فنزويلا على نحو أدق، لا بد من التوقف عند تفصيل مهم ورد في تصريحات ديلسي رودريغيز، التي تولت مؤقتا مقعد القيادة بعد مادورو. فقد قالت رودريغيز في جزء من خطابها الموجه إلى الأمة إن التحرك الأمريكي ضد فنزويلا يحمل "نغمات صهيونية".

وجاء تصريحها كما نقلته وكالة التلغراف اليهودية على النحو الآتي: "إن الحكومات حول العالم مصدومة لأن جمهورية فنزويلا البوليفارية أصبحت ضحية وهدفا لهجوم من هذا النوع، يحمل بلا شك نغمات صهيونية".


وتعد وكالة التلغراف اليهودية من أبرز المواقع الإخبارية المعروفة بخطها الصهيوني. وكما جرت العادة، عمدت المؤسسات الصهيونية ووسائل إعلامها إلى اختزال تعبير رودريغيز المتعلق بالصهيونية في خانة معاداة إسرائيل. فبحسب المنطق الصهيوني، فإن انتقاد إسرائيل يندرج تلقائيا ضمن معاداة السامية، وبالتالي اعتبروا حديث "النغمات الصهيونية" تعبيرا معاديا للسامية. ولا شك أن الوكالة تخاطب أساسا الرأي العام الأنغلوساكسوني.

وقد زعم التقرير المنشور أن هذا التعبير يستند إلى خطاب معاد لإسرائيل تتبناه كاراكاس منذ سنوات، وأنه يتماشى مع تصريحات سابقة لمادورو، الذي قال من قبل إن "الصهاينة" يسهلون السيطرة على فنزويلا، في ظل الهجمات الأمريكية على السفن الفنزويلية وتصاعد التحركات العسكرية في الكاريبي.


وفي موقع "فلسطين كرونيكل"، قيل أيضا إن تعبير "النغمات الصهيونية" الذي ورد في خطاب رودريغيز عقب اختطاف مادورو يشير في الأساس إلى إسرائيل. بل إن التقرير استخدم توصيف "عملية موجهة بدوافع أيديولوجية مرتبطة بالصهيونية". كما أشار الموقع إلى خطاب سابق لمادورو، قال فيه في تشرين الثاني: "هناك من يريد تسليم فنزويلا لقوى معادية... الصهاينة اليمينيون المتطرفون يريدون تسليم هذا البلد إلى الشياطين".

ولا يتضح على وجه الدقة من يقصده مادورو بتعبير "الصهاينة اليمينيين المتطرفين"، لكن من الضروري تسجيل أن فئة الصهاينة لا تقتصر على اليهود الصهاينة وحدهم.


ومن الواضح أننا نواجه سلسلة من المفاهيم الجديدة. ويعد مفهوم البوليفارية أحد هذه المفاهيم. ولن أدخل في تفاصيله هنا كي لا أبتعد عن الموضوع، ويمكن لمن يرغب الرجوع إلى الكتب المتعلقة بسيمون بوليفار. غير أن قراءة الأعمال المرتبطة بالشخصيات وحدها لا تكفي، بل لا بد أيضا من متابعة جادة للأدبيات المتعلقة بالاستعمار والإمبريالية.

إن فهم هذه المرحلة يتطلب تحليلا معمقا لهذه المفاهيم الجديدة. فعلى سبيل المثال، يصف بعضهم الحروب التي أدت إلى استقلال المستعمرات الأمريكية عن بريطانيا بأنها حركات مناهضة للاستعمار. نعم، خاضت تلك المستعمرات حرب استقلال ضد بريطانيا، لكن ذلك لا يجعلها حركة مناهضة للاستعمار. بل على العكس، نشأت الولايات المتحدة نفسها بوصفها دولة استعمارية.

ومن هذه الزاوية، تبدو إسرائيل شديدة الشبه بالولايات المتحدة، إذ قامت هي الأخرى بوصفها مستعمرة بريطانية. أما الصهيونية، فهي الإيديولوجيا الاستعمارية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل. بل إن الصهيونية نشأت أولا في أوساط البروتستانت المسيحيين. لذلك ينبغي فهم حديث مادورو وديلسي رودريغيز عن الصهيونية ضمن هذا الإطار الواسع.


وبعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا، كثرت أيضا محاولات تحليل اختطاف مادورو ضمن إطار نظرية الديمقراطية. غير أن الإطار المفاهيمي الذي نحاول ترسيخه هنا يتناقض جذريا مع ما يسمونه نظرية الديمقراطية. فالجمع بين هذين المنهجين أو التوفيق بينهما يكاد يكون مستحيلا، لأن كل واحد منهما يعبر عن رؤية عالمية مختلفة كليا.

#اختطاف مادورو
#مادورو
#ترامب
#فنزويلا
#العملية الأمريكية في فنزويلا