
صدرت وثيقة “استراتيجية الأمن القومي (NSS)” لإدارة ترامب، والآن جاء دور وثيقة “استراتيجية الدفاع القومي (NDS)” التي يجري إعدادها من قبل ما يُعرف بـ“وزارة الحرب”. وقد كانت الرؤى الواردة في “استراتيجية الأمن القومي” تُعطي، إلى حدٍّ ما، إشارات مسبقة عمّا ستكون عليه “استراتيجية الدفاع القومي”، إذ إن مؤسسات الأمن والدفاع الوطني ينبغي أن تكون في حالة انسجام كامل عند تطبيق الاستراتيجية ذاتها. فـ“استراتيجية الأمن القومي” تعبّر عن رؤية تتعلق بالتهديدات الوطنية والأولويات العامة وخطوط الاستراتيجية الكبرى، بينما تتحوّل هذه الرؤى في “استراتيجية الدفاع القومي” إلى خطط عسكرية وبُنى للقوات وموازنات.
يتولّى إعداد “استراتيجية الدفاع القومي” نائب الوزير المسؤول عن السياسات في وزارة الحرب، إلبريدج كولبي، الذي كان أيضًا مهندس وثيقة “استراتيجية الدفاع القومي” في الولاية الأولى لترامب. وقد دافع كولبي منذ زمن طويل عن ضرورة إبعاد القوة العسكرية العالمية للولايات المتحدة عن أوروبا والشرق الأوسط، وتركيزها بدلًا من ذلك على منطقة آسيا ــ المحيط الهادئ.
ويرى كولبي أنّ الدعم الأميركي الممنوح لأوكرانيا، والتدخلات المتزايدة في الشرق الأوسط، يقوّضان جهود ردع الصين. ومن المعروف أن هذا التوجّه أزعج كثيرًا النيوقون، و“اللوبي الإسرائيلي”، والصقور الليبراليين العالميين، وكذلك الصقور داخل الحزب الجمهوري.
وقد قوبل ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكولبي لمنصب نائب الوزير المسؤول عن السياسات برفضٍ في وسائل الإعلام المؤيدة لإسرائيل. وخلال الحملات التي استهدفته في تلك الوسائل، حاول العديد من الصقور ــ وعلى رأسهم ميتش ماكونيل الذي قاد الجمهوريين في مجلس الشيوخ لسنوات طويلة ــ عرقلة عملية المصادقة على تعيينه في مجلس الشيوخ. ويجادل السيناتور ماكونيل وصقور آخرون بأن الاستراتيجية الدفاعية التي يركّزها كولبي على منطقة آسيا ــ المحيط الهادئ ستُضعف التحالفات المهمة للولايات المتحدة في المناطق الأخرى.
ومع تدخّل نائب الرئيس جي دي فانس، اجتاز كولبي بصعوبة عملية التصويت في مجلس الشيوخ. غير أنّ السيناتور ماكونيل لم يغيّر موقفه، وكان الجمهوري الوحيد الذي صوّت ضد ترشيح كولبي. وقد وجّه نائب الرئيس فانس انتقادات لاذعة لماكونيل في منشورٍ على حسابه في منصة “إكس”.
لكن صقور الجمهوريين الذين يسيطرون على “لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ” ما يزالون يعرقلون إجراءات المصادقة على بعض كبار البيروقراطيين الذين يُقال إنهم مقرّبون جدًا من كولبي. ومن جهة أخرى، لم يتوقف صقور الجمهوريين في اللجنة، وفي مقدمتهم السيناتور توم كوتون، عن انتقاد كولبي. فهم يتهمونه بعدم التواصل الكافي معهم خلال عملية إعداد “استراتيجية الدفاع القومي”. ويبدو أن حالة التوتر بين كولبي وبين الصقور الجمهوريين لا تزال قائمة ولم تُحل بعد.
وكما هو معتاد، تتمحور الاصطفافات السياسية في واشنطن بدرجة كبيرة حول السياسة الخارجية. فالدعوة التي تتكرر في خطاب ترامب “أميركا أولًا” ــ والتي ظهرت أيضًا في وثيقة “استراتيجية الأمن القومي” من خلال ابتعاد الولايات المتحدة عن الالتزامات العالمية والتركيز، بدل أوروبا والشرق الأوسط، على نصف الكرة الغربي في إطار ما يشبه “مبدأ مونرو الجديد” ــ أثارت غضب الصقور. ولهذا السبب تُنتظر، إلى جانب “استراتيجية الدفاع القومي”، وثائق أخرى مثل “تقييم الانتشار العالمي” ومفهوم الدفاع الجوي/الصاروخي بترقّب كبير.
أما في “تقييم الانتشار العالمي” للولايات المتحدة، فإن أي تغييرات في توزيع البُنى والقوات العسكرية ستكون لها آثار تمسّ إسرائيل مباشرة. فالتركيز المتزايد للقوة الأميركية على نصف الكرة الغربي، وإلى حدٍّ ما على آسيا ــ المحيط الهادئ، يُثير احتمال تراجع دور القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) المسؤولة عن “الشرق الأوسط الموسّع”. ولا شك أن تراجع دور القيادة المركزية ليس خبرًا جيدًا لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الطبقة التقليدية المسؤولة عن السياسة الخارجية في الولايات المتحدة منقسمة بشأن مدى الانسجام بين وثيقتي “الأمن القومي” و“الدفاع القومي” اللتين يفرض الكونغرس إعدادهما. إلا أنّ الخطاب المطوّل الذي ألقاه وزير الحرب بيت هيغسِث في السادس من ديسمبر في “منتدى ريغان للدفاع الوطني”، إضافةً إلى تصريحات إلبريدج كولبي بعد ذلك بيومين عبر حسابه في منصة “إكس”، أوضحا أنّ الوثيقتين لن تتعارضا، وأن مقاربة ترامب في “السياسة الخارجية المؤمنة بمبدأ أميركا أولًا” ستكون هي السائدة فيهما.
ومن ناحية أخرى، تكشف الخلافات والاعتراضات داخل مجلسي الكونغرس حول السياسات المطروحة في هاتين الوثيقتين عن احتمال مواجهة بعض الصعوبات في تنفيذ استراتيجيتَي الأمن القومي والدفاع القومي اللتين يطرحُهما ترامب.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة