نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

نعم لقد استغلوكم أجمعين.. واليوم يستغلون من؟ من هم "أصحاب الوصاية المحافظة"؟ من "المحتلون الداخليون" الجدد؟

لقد فتح ادعاء الفريق إسماعيل بكين، الرئيس السابق لدائرة استخبارات أركان الجيش التركي، حول "تكليف محمد شوكت أيجين من قبل دائرة الحرب الخاصة"، فتح الباب أمام نقاش في غاية الأهمية على اعتبار موضوعه، لا فيما يتعلق بالأشخاص. وربما يميط هذا النقاش اللثام، بل يجب أن يفعل ذلك، عن كل العلاقات السرية لتركيا خلال حقبة الحرب الباردة.

والأهم من ذلك أن هذا النقاش يمكن أن يرسم ملامح خريطة طريق مستقبل تركيا، بل يجب أن يفعل ذلك. ذلك أن تركيا لن تستطيع أبدا رسم ملامح خريطة طريق صحيحة من أجل مستقبلها دون أن تخوض تصفية الحسابات هذه. لا سيما وأن الوسط المحافظ لا يمكنه مطلقا بناء مستقبل دون أن يقوم بتصفية حسابات داخلية في هذا الإطار. ولو لم تتم هذه المحاسبة فستتجدد تيارات الوصاية القديمة وستبرز كيانات سرية جديدة، وأرى أنها الآن في طور البروز. ولهذا السبب تحديدا فإنني أهتم بهذا النقاش من هذا المنطلق من حيث الحسابات الحالية والمستقبلية أكثر من كونها من حيث الحسابات القديمة.

رد أيجي ومقال ديليباك

إن موضوع النقاش الأصلي في تلك الفترة هو ماذا كانت "دائرة الحرب الخاصة" تفعل ومع من كانت تعمل ووفقا لأجندة من كانت تدير شؤونها؟ لكن دعونا من هذه النقاط مؤقتا. علينا القول إن رد فعل أيجي على هذا الادعاء كان عنيفا؛ إذ رد على بكين مستخدما أوصافا مهينة حين قال "أكرر عليك بعض الصفات التي لو استطعت إثبات افتراءاتك فإنها ستكون من نصيبي، وإلا فستكون من نصيبك أنت: عديم الشرف، سافل، مفتري، كاذب، ضميره وقلمه للبيع أو للإيجار، عديم الكرامة، قذر، مفضوح، كلب مسعور، ناشر للفتن.."

وما وسّع نطاق هذا النقاش أكثر كان دخول عبد الرحمن ديليباك، الذي أخذ يظهر بمواقف "متعارضة ومثيرة للدهشة" منذ فترة، في هذا النقاش والمقال ذي كتبه وحمل عنوان "لقد استغلونا كلنا". ولا ريب أن لدينا الكثير لنقوله حول هذه المقاربات. لكن كما قلت، فإن مناقشة الموضوع يمكن أن يعطينا نتائج أفضل مما لو ناقشنا الأمر من خلال الأشخاص. وهو ما سنفعله.

من الذي دفع الثمن:

هذا الكتاب يحكي الكثير

"من الذي دفع الثمن؟: وكالة الاستخبارات الأمريكية والحرب الباردة الثقافية"، هو كتاب للباحثة البريطانية فرانسيس ستونور سونديرز تحكي فيه كيف استغلت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي ايه) البعض وأوكلت إليهم المهام وروجت لهم خلال حقبة الحرب الباردة. فيضم الكتاب معلومات في غاية الخطورة حول ما تم بالتزامن مع مشروع مارشال وأن شخصيات بارزة أمثال جاكسون بولوك وإرفنج كرستول وأندريه مالرو ورينولد نيبور وجورج أورويل وبيرتراند راسل وستيفن سبندر وآرثر ماير شليزنجر وأرنولد توينبي وفلاديمير نابوكوف وجان بول سارتر وهربرت سبنسر تلقوا تمويلا من السي آي ايه، وكيف استغلت الصحف والمجلات والكتب والمحطات الإذاعية، وأن مجلة إنكاونتر أصدرت بأموال السي آي ايه بين عامي 1953 – 1990، وأن السي آي ايه كذلك هي التي طبعت ووزعت كتاب أورويل مثل "1984" و"مزرعة الحيوان"، وأن الوكالة ذاتها استغلت مجموعات "اليسار الديمقراطي" للتصدي للشيوعية وأنها مولت منشورات هذه المجموعات، وأن السينما تلقت أموالا طائلة، ونهم أصدروا عشرات المجلات، كما تلقت المراكز الثقافية والسينما والمسرح دعما للتشجيع على تبني ثقافة الأكل واللبس والأغاني الأمريكية. كما يحكي الكتاب بنماذج صادمة كيف تحولت الكثير من الأسماء البارزة على الجبهة اليسارية والشيوعية إلى "أدوات" بيد السي آي ايه.

سيكتب كتاب "من الذي دفع الثمن؟" كذلك من أجل التيار المحافظ

كنت قد كتبت مقالين عامي 2004 و2010 حول الموضوع والكتب. كما قلت ثلاثة أشياء بينما كنت أقرأها: حسنا، من الذي استغلته واشنطن والسي آي ايه آنذاك من التيارات الإسلامية / المحافظة في تركيا وسائر الدول الإسلامية؟ من سيكتب النسخة الإسلامية عن المثقفين والسياسيين والزعماء المسلمين من كتاب "من الذي دفع الثمن؟"؟ وهل ستكتب نسخة جديدة من هذا الكتاب لوصف التيار الإسلامي بعد 20 – 30 عاما مقبلة؟

لقد كانت هذه الأسئلة مهمة. فالعالم كانت ملامحه ترسم من جديد، كما كانت تركيا تسير نحو الصعود بعد مائة عام من الغفلة وتحاول إتمام تحولها الممنهج لتعود إلى إطار التاريخ والجغرافيا، وهو ما كان يلفت الانتباه إلى تشكيل نظام وصاية سري جديد في تلك الأثناء.

هل عملت السي آي ايه فقط مع غولن؟

ما مصير "أصحاب الوصاية المحافظين"؟

لقد هز كياننا عندما رأينا أشرس نماذج هذا الأمر ليلة 15 يوليو وما فعلته منظمة غولن الإرهابية، وحينها أدركنا أنها مسألة حياة أو موت. إذن، فهل عمل أولئك الرجال، أي السي آي ايه أو الوسط الأطلسي، فقط مع الكيانات داخل الدولة؟ فهل تعاونوا فقط مع منظمة غولن الإرهابية وقووا شكوتها؟ فأي التيارات والأشخاص الآخرون كانوا ضمن كيان و"مهمة" كهذه؟

تخوض تركيا منذ 10 سنوات كفاحا كبيرا بشكل مكثف للتخلص من نظام "الوصاية". فخضعت التيارات اليسارية أو القومية أو الليبرالية لانتقادات لاذعة في هذا السياق وطرحت التساؤلات بشأنها. لكن أحدا لم ينبس ببنت شفة أو يطرح سؤالا واحدا حول بُعد هذه "الوصاية" المتعلق بأصحاب التيارات الإسلامية / المحافظة. فهل حقا لم يكن لهم صلة بهذا الأمر؟

أعلم أنها أسئلة خطيرة:

من الذي منحوهم القوة والأدوار؟

لم يتساءل أحد حتى عن أنشطة منظمة غولن الإرهابية قبل أحداث 17-25 ديسمبر 2013. واليوم لا يتساءل أحد حول أنشطة أي كيان أو تيار أو شخص بخلاف تلك المنظمة. أوليس هذا موجود؟ ألم يتعاون أولئك الرجال مع أي تيار إسلامي / محافظ منذ الحرب العالمية الثانية؟ فمع من تعاونوا؟ ومن وضعوا في المقدمة؟ ومن لمعوا صورته في أعين التيارات الإسلامية؟ ومن منحوهم القوة والأدوار؟

أعلم أنني أطرح أسئلة خطيرة، لكن لا يستطيع أحد أن يقول إن شيئا كهذا غير موجود. وبناء عليه فإن إخفاء بعض الأشياء سيتمخض عنه وضع مستقبل هذه الدولة وأمتنا من جديد في الأسر، كما لن يكون ممكنا أن تعود تركيا إلى إطار التاريخ والجغرافيا دون إجراء هذه المحاسبة.

الأسماء المحافظة في قائمة الماسونيين

أطالع قائمة "وفد الاستشارة" لمنظمة غولن الإرهابية خلال تسعينيات القرن الماضي. فما نسبته 70% من الواردة أسماؤهم في القائمة يردون في قائمة الماسونيين المعدة بشكل رسمي؟ وأنظر إلى قائمة الماسونيين تلك لأرى أسماء مثيرا للدهشة، فهي تضم حتى أسماء بارزة يجلها التيار المحافظ ويعتبرها زعماء له. فأين سنضع هؤلاء؟

وهذا يعني أنهم لم يكثفوا أنشطتهم فقط من خلال منظمة غولن الإرهابية، بل استثمروا كذلك في تيارات أخرى. فلم تغاضينا اليوم عن الاحتمالات الأخرى بخلاف منظمة غولن الإرهابية فيمكن أن نواجه من جديد تدخلات مشابهة. ذلك أن كفاح تركيا من أجل الصعود ليس مسألة قاصرة على تركيا وحدها، بل إنها تصفية حسابات بين القوى على المستوى الدولي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الجبهة في كل مان. فليس هناك أي تمييز في هذا بين التيار الإسلامي أو غير الإسلامي على أساس أيدولوجي. فما هذا سوى تصفية حسابات تاريخية وجغرافية بين العديد من القوى.

عِرق "الوصاية" ذلك لم يتغير منذ الدولة العثمانية

نحن أمام عِرق ممتد حتى يومنا هذا من جانب الكيانات صاحبة الوصاية خلال الفترة الأخيرة من عمر الدولة العثمانية. وهناك علاقة قوية بين أصحاب الوصاية آنذاك وأصحاب وصاية حقبة الحرب الباردة وأصحاب الوصاية الذين يحاولون نشرهم بيننا من جديد اليوم. فهم اليوم مقربون إلى تلك اليوم التي كانوا مقربين لها آنذاك، وهو ما ينطبق كذلك على ما كانوا ضده في الماضي وما هم ضده اليوم. فمن استغلوه أيام الحرب الباردة يستغلون اليوم من يشبهه ليعيدوا التحزب من جديد.

لا يمكن إتمام المسيرة المستقبلية لتركيا دون أن يصدر خطاب متحرر قوي عن التيارات الإسلامية / المحافظة حول تركيا والمنطقة. فطالما لم تخضع هذه التيارات لاختبار الوطنية ولم تنأ بنفسها عن أدوار الوصاية الذهنية والعقلية فإنه تركيا ستستمر في مواجهة المزيد من تهديدات منظمة غولن الإرهابية.

هذا هو الخطر الذي أتحدث عنه بشأن "المعارضة المحافظة" و"التدخل المحافظ"

وعلى سبيل المثال فإن علاقات الوصاية التي يخفيها من يعارضون اليوم توجه تركيا نحو التأميم وتحويلها لنفسها وصعودها التاريخي تحت عباءة معارضة أردوغان ربما تتحول إلى تهديد يحدق بهذه الدولة. فلا يخفى على أحد أن هناك تحركات وأنشطة تجري في هذا الاتجاه.

إن الذين يرغبون في جر تركيا إلى الوقوع ضحية لتدخلات خارجية جديدة ليسوا مستقلين أو محليين أبدا، بل إنهم يروجون أجندة جهات أخرى. إن هذا هو ما أحاول سرده منذ عامين من خلال مصطلحي "المعارضة المحافظة" و"التدخل المحافظ". فهذا نقاش يأتي في إطار محاولة إقامة محور وصاية جديد. فهم اليوم يستغلون تيارات دسيسة مثلما فعلوا في الماضي.

هل سنناقش بعد 30 عاما نظام الوصاية القائم اليوم؟!

قارنوا جيدا بين الفترة الأخيرة من تاريخ الدولة العثمانية وحقبة الحرب الباردة وهذه الفترة التي تخوض فيها تركيا كفاحا من أجل التأميم والتخلص من نظام الوصاية، وانظروا جيدا إلى أين يقف كل طرف، فسترون الكثير من الأمثلة الصادمة.

لا يمكن اختزال هذه القضية في نقاشات شخصية، ذلك أنه قضية حياة أو موت بالنسبة لتركيا، وهكذا يجب تناولها. فلن تستطيعوا رسم ملامح المستقبل دون تصفية الحسابات مع الماضي. ولهذا فلو أهملنا تصفية الحسابات هذه فإن بؤر المقاومة و"المحتلين الداخليين" أنفسهم سينصبون من جديد في مواجهة تركيا من خلال مخطط جديد. وهم الآن يعملون على مشروع كهذا، مشروع ضخم يسير في هذا الاتجاه في السياسة والإعلام وعالم الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني.

دعونا نكشف النقاب عن الأشخاص والأوساط التي استغلوها في الماضي، ولأي غرض استغلوها. ولو لم نفعل هذا الأمر فإننا سنعجز عن رؤية حاضرنا ومستقبلنا، وحينها سنناقش بعد 30 عاما نظام الوصاية القائم اليوم!

+

خبر عاجل

#title#