انتهاج هندسة سياسية لم ير لها مثيل إنها حركة إقامة "جبهة دولية" في الداخل ينضمُّ إليها كذلك من "سُلخوا" من "العدالة والتنمية"! ليس هناك هوية حزب، بل هوية الوطن تركيا. أفكارهم هي الغضب المشترك لـ"غولن" و"بي كا كا". الفصلُ بين من انضموا لـ"محور تركيا" ومن هربوا إلى "المحور الدولي" - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

انتهاج هندسة سياسية لم ير لها مثيل إنها حركة إقامة "جبهة دولية" في الداخل ينضمُّ إليها كذلك من "سُلخوا" من "العدالة والتنمية"! ليس هناك هوية حزب، بل هوية الوطن تركيا. أفكارهم هي الغضب المشترك لـ"غولن" و"بي كا كا". الفصلُ بين من انضموا لـ"محور تركيا" ومن هربوا إلى "المحور الدولي"

تشهد تركيا في الآونة الأخيرة انتهاج هندسة سياسية خطيرة للغاية لم ير لها مثيل من قبل بهذا القدر من الانتشار، فهي قادرة على جمع كل الهويات السياسية تحت مظلة "جبهة واحدة".

إنّ ما يريدون فعله حقًّا ليس تأسيس حركة سياسية أو الترويج لفكرة أو هوية سياسية جديدة، فهناك جهود تطمح لما هو أبعد بكثير من تشكيل حزب أو كيان سياسي.

إنّ القائمين على هذا المخطط يحاولون جمع كلّ الكيانات المحافظة والإسلامية واليسارية والليبرالية والقومية والكردية تحت سقف "الجبهة" عينها.

لم تعد هناك هوية حزبية.. جميعهم يحمل هدفًا واحدًا.. ألا وهو إيقاف تقدّم تركيا

إنهم يرون أنه لم يعد هناك شيء يدعى حزب الشعب الجمهوري أو الشعوب الديمقراطي أو السعادة أو "إيي".. كما لم تعد هناك أي تيارات أو تنظيمات سياسية أكثر هامشية غير هذه الأحزاب السياسية.

لقد مر وقت هذه الحقبة وانتهت صلاحية هويات كل هذه الأحزاب. لم يعد هناك تفرقة بين العلماني والإسلامي، والليبرالي واليساري وما إلى ذلك. فكل التيارات السياسية التقليدية التي اعتدنا عليها في تركيا لن تكون موجودة بعد اليوم.

إنهم يرون أنه ليس هناك سوى مخطط سياسي وحركة وغرض وكفاح واحد، ألا وهو الحيلولة دون صعود تركيا وتعزيز قدراتها وعودتها إلى حظيرتها وتاريخها وذاكرتها الخاصة بها.

ليس مخططًا داخليًّا

هذه الجبهة هي إعداد لتدخل خارجي

ينضم إليها كذلك من "سُلخوا" من "العدالة والتنمية"!

إنه ليس مخطّطًا "محليًّا" خاصًّا بـتركيا أبدًا. كما أنها لا ينبت أبدًا من رحم أولويات تركيا ومصالحها. وكذلك فإنّ مصدره ليس فكرة "إدارة أفضل" أو "إدارة تركيا" أبدًا.

وإنّ العقلية التي تقف وراءهم وطريقتهم في التخطيط والحشد واللغة السياسية التي يستخدمونها وتحريضاتهم الرامية لاستفزاز أعصاب المجتمع، كل ذلك يبرهن على أنّ هذا المخطّط يحمل هوية "دولية".

ولقد انضمّ لهذه "الجبهة" من غادروا حزب العدالة والتنمية وشمّروا عن سواعدهم لتشكيل كيانات سياسية جديدة. فأفكارهم وتصرفاتهم تشكَّل وفق أولويات هذه "الجبهة". ذلك أنهم لا يغادرون الحزب، بل إنهم "يسلخون" منه.

لماذا تتشابه عبارات "الشعب الجمهوري" و"السعادة" و"إيي" و"بي كا كا" و"غولن" ومن انسلخوا عن "العدالة والتنمية"؟

وكما شقوا صفوف حزب الحركة القومية، أحد أحزاب التيار "الوطني"، فإنهم يخططون كذلك لشق صفوف حزب العدالة والتنمية لتكوين "نموذج الحزب الجيد المحافظ" لإكمال جوانب نقص الجبهة.

لم أر حتى يومنا هذا أي وعد أو كلمة أو فكرة سياسية جديدة خلف العبارات التي يرددونها من قبيل "سيكون كل شيء رائعًا" و"سنتبادل الحب فيما بيننا".

ولقد كان أكثر الأفكار التي روّجوا لها حتى اليوم هي إضفاؤهم صبغة "النقد الممنهج" بشكل منظم على الانتقادات الهدامة التي يتلقاها أردوغان من جبهة الأطلسي والعواصم الأوروبية.

لكن يبدو أنّ هذه الفكرة وهذه اللغة منحت لهم داخل ملف محدد المعالم. فترى أحزب الشعب الجمهوري والسعادة والجيد ومنظمة بي كا كا وغولن الإرهابيّتين ومن غادروا حزب العدالة والتنمية جميعًا يستخدمون العبارات ذاتها.

ومن المستحيل أن يكون ذلك من قبيل الصدفة، بل إنه مخطط سياسي يضم الجميع. وعليه، فلا تنظروا إلى أنها جميعًا كيانات واحدة، بل إنها تدار من قبل خلية أو مركز أو تحالف قوى واحد.

إنهم الغضب المشترك لـ"بي كا كا" و"غولن"

إن هذه الجبهة بالكامل تتعاطف مع منظمة غولن الإرهابيّة؛ إذ تريد إقامة علاقة أفضل معه والاستفادة من "ما تبقى" من إمكانيات وأدواته المعارضة. كما أنّ هذه الجبهة تتمتع بتناغم فريد مع منظمة بي كا كا الإرهابية. فهي تضفي صبغة ديمقراطية على الإرهاب الذي تكافحه تركيا بكل قوتها، وتقدمه للناس وكأنه "مبادرة جديدة" لتروج لمواقف عناصرها وهذه العلاقات بين أبناء هذا الوطن.

وإنّ حنقهم إزاء أردوغان والحكومة وتحالف الجمهور وفكرة الدولة التي يحملها هذا الشعب منذ أيام السلاجقة لا يختلف أبدًا عن الغضب المشترك الذي يحمله بي كا كا وغولن الإرهابيين.

أستطيع القول إنّ "غولن – بي كا كا" يشكلان نواة هذه "الجبهة". وأما سائر الأحزاب السياسية والكيانات المعارضة وما تحمله من أفكار وعبارات إنما تدور في فلك هذه النواة.

أمريكا هي واضعة المخطط وصاحبة الجبهة: دعونا نسمع منهم عبارة واحدة تنتقد واشنطن!

لكن القضية ليست كذلك هذه النقطة. فالهندسة السياسية والتخطيط والتنفيذ يعتمد على قوى وأوساط أوسع بكثير. وفي الواقع فإنّ واضع المخطط وصاحب الجبهة لا يخفى على أحد.

إنّ المركز "الأطلسي" هو منفذ المخطط وراسم ملامحه ومن يحدّد موقع كل طرف على هذه الجبهة واللغة السياسية المشتركة التي سيستخدمونها..

وإنّ واضع هذه الهندسة السياسية وصاحبها هم الذين سلطوا منظمة غولن الإرهابيّة على تركيا وأصدروا له التعليمات واستهدفوا تركيا يوم 15 تموز/يوليو.

ليس هناك أيّ كيان سياسي جزء من هذه الجبهة أو يستعد ليكون كذلك يطلق أيّ تصريح يغضب بي كا كا، فلا يمكنه ذلك، كما أنه لا يعارض غولن صراحة، وما له أن يفعل ذلك.

يقفون ضد تركيا في كل مكان

لا يمكنكم الاعتراض على الضغوط التي تمارسها واشنطن على أنقرة أو دعمها للإرهاب أو محاولاتها للتدخل. كما أنهم لا ينسبون ببنت شفة، وما لهم أن يفعلوا، لمعارضة حصار تركيا من ناحية شمال سوريا والضغط عليها في شرق المتوسط.

لكنهم يشعرون بسعادة بالغة عندما تبادر الولايات المتحدة لتدمير الاقتصاد التركي، كما ينزعجون من تدخل تركيا للتخلص من الكيانات التي تهدد مصالحها. ولو استطاعوا لأشعلوا فتيل الحرب بين تركيا وروسيا، ولسحبوا جنودنا من سوريا على الفور وأنهوا كفاحنا ضد بي كا كا في الأناضول.

تصفية حسابات نهائية بالنسبة لتركيا

إنّ ما أتحدث عنه هو مخطط سياسي كبير. وربما يكون مخطّطًا نهائيًّا بالنسبة لتركيا؛ إذ إنه يرمي لإقامة تحالف دولي داخلي بحجم لم نر له مثيلًا قبل ذلك.

فعندما فشلوا في تنفيذ مخططاتهم من خلال بي كا كا، أدخلوا غولن إلى اللعبة، وعندما فشل هو الآخر، بدؤوا يستعينون بالكيانات المحافظة. ذلك أنه ما كان لهم أن يسقطوا حزبًا حاكمًا وطنيًّا محافظًا إلا بمساعدة التيار المحافظ نفسه. واليوم نرى بكلّ وضوح كيف يستعدون لتشكيل كيان واسع النطاق يضمّ كذلك هؤلاء المحافظين.

إنّ هذا المخطط هو مخطط مضاد لتركيا، فهم يخططون لإيقاف صعود تركيا من خلال مخطط حصار من الخارج وتشكيل جبهة في الداخل. وإن هدف هذين الأمر واحد، ألا وهو السيطرة على تركيا وإخراجها مجدّدًا من حظيرتها التاريخية وسجنا بين جدران الهيمنة الأمريكية.

الفصل بين من انضموا لـ"محور تركيا" ومن هربوا إلى "المحور الدولي"

إن الذين استطاعوا ضم الأتاتوركيين إلى الجبهة ذاتها مع بي كا كا ألقوا بعض المحافظين كذلك إلى أحضان الاستخبارات الأمريكية. كما أن الذين شكلوا التنظيمات الإرهابية "ذات الهوية الإسلامية" حتى يومنا هذا بادروا هذه المرة للتعاون مع الكيانات المحافظة من خلال منظمات المجتمع المدني.

لقد حدثت وستحدث حالة من الفصل بين كل الهويات السياسية في تركيا. فهناك فصل بين من انضموا لـ"محور تركيا" ومن هربوا إلى "المحور الدولي". فالهندسة السياسية التي أتحدث عنها مبنية على هذه الفكرة.

إننا نتابع جميعًا النماذج الدراماتيكية لعمليات الفصل هذه، فنرى كيف يتجه كل من هو "غير وطني"، من الإسلاميين لليساريين ومن المحافظين للقوميين، إلى المواقع التي يرشدهم إليها أسيادهم، وكيف أنهم يهرعون إلى جبهة من يغذون أفكارهم.

انتشار غضب ولغة "غولن" و"بي كا كا"

كان تنظما بي كا كا وغولن الإرهابيان هما التنظيمين الموجودين حتى اليوم، لكننا أصبحنا أمام جبهة أوسع بكثير تتشكّل. وسنرى بكل ألم وحسرة إلى أين سيذهب من اعتبرناهم حتى يومنا هذا "بجوارنا" ويقفون معنا في "المكان ذاته".

لقد اتسعت رقة غضب غولن وبي كا كا ولغتهما وانتشر في كل مكان. فالذين سلطوهم علينا يشكلون جيشًا أقوى بكثير. إنهم سيأتون معهم. وإنّ كل المحاولات مبنية على إيقاف تاريخنا الممتد على أراضي الأناضول منذ ألف عام مجدّدًا.

سترون لا محالة أنهم لن يقفوا بجوار تركيا لدعمها بأي شكل من الأشكال. فالقضية ليست فقط قضية تضامن إمام أوغلو مع حزب الشعوب الديمقراطي أو تعاطف حزب الشعب الجمهوري مع ذلك الحزب، بل إنهم جميعًا يقفون على الجبهة ذاتها.

تركيا ستخضع لاختبارات صعبة وستفشل هذه اللعبة

لكن لا ينبغي لأحد أن ينسى أن هذا التنظيم "الفظ" لا يمكن إخفاؤه أبدًا. وإنّ معظم من انضموا اليوم إلى هذه الجبهة سيهرون لينضموا إلى محور تركيا الوطني عندما يرون الحقيقة غدًا.

سنرى استفاقة الوطنيين من كوادر حزب الشعب الجمهوري والقوميين داخل الحزب الجيد والناخبين الصبورين المؤيدين لحزب السعادة ومن انجرفوا إلى هذا المخطط الدولي للهندسة السياسية من أبناء الكيانات الإسلامية. ذلك أن تركيا ستخضع لاختبارات صعبة لا يتوقعونها أبدًا، وهو ما سيصيب هذه التيارات التي ذكرتها بالصدمة.

لقد ولى عهد شراء السلطة من الذين يحاولون احتقار قدرات تركيا. وربما تكون هذه هي اللعبة الأخيرة التي سيعلبونها. وإن أصحاب هذه الهندسة السياسية ومن علقوا عليها آمالهم ومن التحقوا بها حتى لا يفوتهم القطار يستثمرون في الصفحات الخاطئة لكتب التاريخ.

حان وقت دعم "محور تركيا"

لا شك أن الكيان الأساسي المحافظ الوطني سيكتسب القوة. ذلك أن المعادلة ليست قاصرة على تركيا وحدها؛ إذ إن تبدل موازين القوى العالمية والمويل السياسية تدعم مجالات السلطة المركزية. الأمر ينطبق على كل الدول. كما أن مجال السلطة الرامية للمستقبل في تركيا سترسم ملامحه على يد من آمنوا بالاستمرارية القائمة بين الدولة السلجوقية والإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية.

فإذا كان الأمر كذلك، فقد حان وقت دعم "محور تركيا".

+

خبر عاجل

#title#