التدخل "شرق الفرات" حتى "لو كان يعني الانتحار" إنها الحركة الوحيدة القادرة على إفساد الألاعيب في الداخل والخارج لأنّ الخطر زاد كثيرًا - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

التدخل "شرق الفرات" حتى "لو كان يعني الانتحار" إنها الحركة الوحيدة القادرة على إفساد الألاعيب في الداخل والخارج لأنّ الخطر زاد كثيرًا

تعتبر منطقة شرق الفرات هي أخطر منطقة كفاح بالنسبة لتركيا؛ إذ يرتبط مستقبل بلدنا السياسي ووجوده في القرن الحادي والعشرين بشكل كبير بالتدخل الجيوسياسي الذي من الضروري تنفيذه في هذه المنطقة.

إنّ هذا التهديد – في الواقع – ليس تهديد إرهاب، بل إنه تهديد دولي. وإن شكل الكفاح هناك يواجه تهديدًا دوليًّا محدقًا وقريبًا للغاية يفوق بكثير مسألة مكافحة الإرهاب. فهذا مخطط لتغيير ملامح خريطة المنطقة، فلا يستطيع أحد أن يحول دون طرح المرحلة التركية من هذه "الخريطة" على الطاولة بعدما فعلوا ذلك في المرحلتين العراقية والسورية.

مسودات خرائط كبيرة على الطاولة

وإذا كان سيكون هناك مساع لمنع تنفيذ هذه الخريطة، فيجب أن تنفذ هذه المساعي اليوم في سوريا. فهذه الخريطة ليست كما يعتقد البعض أنها قاصرة على منظمة بي كا كا الإرهابية وحسب، بل إننا أمام تصفية حسابات عالمية، وهذه الخريطة تكمل صورة الأحداث التي تشهدها منطقتنا كلها.

إنّ الذين رسموا خرائط الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الأولى هم أنفسهم الذين يرسمون خريطة المنطقة اليوم. وكما أعدت كل الخرائط عقب الحرب العالمية الأولى لتكون ضدّ تركيا، فهي اليوم كذلك تعد لتكون ضدّ تركيا.

ولو لم نكن قد أقدمنا على عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون والعمليات التي لا تزال المستمرة في شمال العراق، لما كنا قد حصلنا على أي قوة أو فرصة اليوم. ذلك أن أعداءنا كانوا سيكملون استعداداتهم لمد شريط احتلال غربي يمتد من حدود إيران شرقًا إلى البحر الأبيض غربًا.

ستكون الخطوة الأولى هي إطلاق المرحلة التركية من الخريطة

إنّ الخطوة الأولى التي سيقدمون عليها بعد إكمال هذا الأمر هي إطلاق المرحلة التركية من هذه الخريطة وذلك الشريط. كما أنهم سيتحركون في مبادرة لإقامة ممرّ على الجانب التركي من حدود إيران إلى البحر المتوسط وخليج إسكندرون، هذا فضلًا عن إقدامهم على تجربة بعض التطورات الاستثنائية في الداخل للتمهيد للأرضية النفسية لهذه الخطوة.

ولهذا فإنّ عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون لم تكتفيا بـ"تأخير" إقامة ذلك الشريط شمال سوريا، بل قطع كذلك الطريق على التدخل في عمق الأراضي التركية، ولهذا فإنه أوقف، ولو مؤقتًا، هذه المحاولة الكبرى لموجه نحو تركيا، لكنه وجه ضربة قوية للمخطط الكبير الرامي لنقل الخريطة والحرب القائمتين في شمال سوريا إلى داخل تركيا.

لن ينفذوا أي اتفاق ولن يوفوا بأيّ وعد

ولهذا فإنّ التدخل العاجل الآن في شرق الفرات يعتبر ضرورة حتمية من أجل إغلاق دفتر الحسابات هذا تمامًا. وليس لهذا أي طريق آخر، وسنرى هذا كذلك في المستقبل القريب.

إنّ كل الاتفاقات التي توصلنا إليها مع الولايات المتحدة إنما تهدف لمراوغة تركيا وإكساب ذلك المخطط المزيد من الوقت. وهذا هو سبب عدم وفائهم بأي وعد قطعوه حتى اليوم، بما في ذلك الوضع في منبج، ولن يوفوا بأي وعد أبدًا!

ولن نحصل على أيّ نتيجة كذلك من الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة، وبمرور الوقت ستتفاقم أكثر المشكلة الأمنية المصيرية بالنسبة لتركيا ليتحول الوضع بعد مرحلة معينة "غير قابل للتدخل".

شرق الفرات ليس سوريا فقط

بل يشمل شرق المتوسط وبحر إيجة

إنّ عملية شرق الفرات لا تشمل شمال سوريا فقط، بل إنها تشمل كذلك شرق المتوسط وبحر إيجة؛ إذ إنّ كل أساطيل العالم احتشدت في شرق المتوسط، كما احتشدت كذلك هناك جميع الدول التي خططت للحرب في سوريا وتدخلت في الخريطة التي على الطاولة.

لقد وضعوا مخطّطًا للعبة جيوسياسية في غاية الخطورة تستهدف تركيا، لعبة أكبر بكثير من مسألة تقاسم موارد الطاقة في شرق المتوسط. فهم يخططون لحصار تركيا وإيقافها وإسقاط نظامها السياسي والسيطرة عليها بعدما عادت بسلام إلى حظيرتها التاريخية.

وفي هذا الوقت تحديدًا فإنّ رسم ملامح "الجبهة الداخلية" يعتبر جزءًا من هذا المخطط الكبير. وإنّ الجميع في تركيا اليوم يتخذون لأنفسهم مواضع وفق هذا المخطط بغض النظر عن الحزب أو التيار السياسي الذي ينتمون له، سواء أكان التيار المحافظ أي غير ذلك. فالهويات السياسية والمواضع التي يتخذها الجميع ترسم وتنفيذ وفقا لهذا المخطط.

الجبهة الدولية تواجه مقاومة تركيا في الداخل والخارج

هناك – في الواقع – مواجهة شرسة بين المقاومة التركية وجبهة التدخل الدولي. فلا شك أنه يلفت انتباهنا جميعًا أنّ من يقفون في صفوف الجبهة الدولية يعارضون عملية التدخل في شرق الفرات، ويدعمون توجهات منظمتي بي كا كا وغولن الإرهابيتين، ويتخلون عن بلدنا في شرق المتوسط وبحر إيجة ويتحدثون مستخدمين حجج جبهة التدخل.

لقد خسرت تركيا وقتًا يقدر بعامين على الأقل بسبب المناورات التكتيكية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهما العرب في المنطقة وحلفائهما من دول الاتحاد الأوروبي وأذنابهما داخل تركيا. وأقول هذا وأنا أفكر في ظروف تركيا والظروف الصعبة التي تواجهها.

ولا يمكنهم أبدًا بأيّ طريقة أخرى منع تدخل تركيا سوى من خلال هذه المناورات التكتيكية، فلا يمكنهم مثلًا معارضة هذا التدخل بشكل صريح أو المخاطرة بخطوة كهذه.

إنه استعداد للحرب من دولة ضد دولة أخرى:

هل سنظل نسمي ما يحدث مكافحة للإرهاب؟

لا يمكن اعتبار الأسلحة التي أرسلتها الولايات المتحدة وشركاؤها في المنطقة إلى هناك قاصرة على دعم الإرهاب وحسب. فنحن أمام تجهيزات لحرب تعلنها دولة ضد دولة أخرى، وإن تلك الأسلحة إنما تجمع لخوض حرب مباشرة ضد تركيا. فما علاقة الإرهاب بهذه الاستعدادات التي تجري وفق معايير الولايات المتحدة – حلف الناتو؟

هل سنظل نصف ما يحدث بـ"مكافحة الإرهاب" في الوقت الذي يعمل فيه حتى الأطباء العسكريين الفرنسيين في معسكرات بي كا كا علانية وتشكل الولايات المتحدة فيه جيشًا لتلك المنظمة الإرهابية دون حياء وتحصل فيه تلك المواقع على دعم مالي من شركات الإسمنت الفرنسية وتتدفق فيه الأموال السعودية والإماراتية على المنطقة ويفعلون كل ذلك ضدّ تركيا علانية ودون خجل؟

يجب أن يتم التدخل قبل أن يتطور المشروع ليصل إلى مرحلة النضج ويكتمل. ولقد كتبت مرات عديدة في مقالاتي قبل عامين عن وجوب التدخل حتى "لو كان ذلك يعني الانتحار". ولا أزال أحمل الرأي ذاته. هذا فضلًا عن أن التهديد تطور أكثر هذه الأيام؛ إذ أصبحت المنطقة تشهد استعراضات قوى على يد من يتلهفون لتصفية حساباتهم مع تركيا.

وإن التدخل هو التحرك الوحيد الذي سيفسد ألاعيبهم ومخططاتهم.

التدخل هو التحرك الوحيد الذي سيفسد ألاعيبهم

لا نتحدث عن الحاضر، بل عن المستقبل

على الجميع أن يعلموا أن التدخل سيكون هو التحرك الوحيد الذي تقدم عليه تركيا لإفشال تلك المخططات. فهذه هي الفكرة الوحيدة اتي ستكون خارج الصندوق. ذلك أنهم جهزوا أنفسهم لمواجهة سائر الاحتمالات والطرق الأخرى؛ إذ إن تلك الاستعدادات مبنية على أساس الفكرة المقبولة سلفا بشأن أن تركيا لن تستطيع التدخل ولن يسمح لها بذلك.

لا شك أن التاريخ والجغرافيا يفهمان ويقرآن بهذه الطريقة، فأجيال المستقبل لن تنظر إلى الحسابات السياسية التي تبناها البعض وهم ينظرون إلى الماضي (الذي هو حاضرنا اليوم)، بل ستنظر إلى الموضع الذي وقف به كل فرد وماذا فعل خلال هذه المسيرة التاريخية الكبرى. فنحن لا نتحدث عن الحاضر، بل نتحدث عن غد والمستقبل. وعندما ننظر للأمور من هذه الزاوية نرى أن التدخل ضرورة حتمية.

ولو لم نتدخل، وعجزنا عن التدخل، في شرق الفرات، فإننا لن نكون قادرين على مواجهة التهديد المتنامي في شرق المتوسط بسبب الحصار الذي يستهدفنا من تلك المنطقة، كما ستضعف أيدينا في مواجهة من يحاولون الضغط علينا في بحر إيجة.

عقدة شرق المتوسط وإيجة تحل في سوريا

وأما "المغرورون في الداخل" فمنشغلون بإسقاط أردوغان

إنّ شرق الفرات هو الحلّ الوحيد لحل عقدة شرق المتوسط وتقليل الضغوط المتزايدة بمرور الأيام في بحر إيجة؛ إذ إننا سنكون مضطرين للوقوف "في كل مكان" في اللحظة التي تتأكد فيها سيطرة القوى الأجنبية أو التنظيمات الإرهابية في تلك المنطقة.

تجري كلّ الدول الغربية ودول المنطقة مناورات عسكرية في الأردن. كما أنّ أساطيل العالم الغربي تقترب منا كثيرًا، فهي ترسو بالقرب من سواحل إسكندرون وجمهورية شمال قبرص التركية.

وبينما كل ذلك يحدث ترى "المغرورين في الداخل" ينشغلون بسيناريوهات إسقاط أردوغان ويستهدفون وطننا من الداخل تنفيذًا لما هو وارد في الملف الذي تسلموه من أسيادهم.

إننا نتعرض للاستهداف من الداخل كلما توجهنا نحو الخارج، كما نتعرض لضغوط داخلية بقدر تعزيزنا لكفاحنا مع العالم الخارجي. أضف إلى ذلك أنه كلما ركزنا على مواجهة الحصار الذي يستهدفنا من الخارج فإن البعض يزيد من قوة الجبهة الداخلية.

كفاح لم ينقطع من أيام السلاجقة

انتبهوا لـ"الجبهة الداخلية"..

لا يقتصر الأمر على بي كا كا وغولن فقط، بل إننا أمام جبهة أوسع بكثير. أقولها صراحة، إن حتى الاستقالات التي يشهدها حزب العدالة والتنمية تتم وفق صيغة هذه "الجبهة الداخلية". وإنّ كل شيء يرتب ليكون ضد تركيا.

إن تركيا ستخوض، بل عليها أن تخوض، هذا الكفاح، فلديها القدرة على ذلك. ذلك أن هذا الشعب يواصل الكفاح ذاته من أيام الدولة السلجوقية حتى يومنا هذا. وإن الخطوات التي سنقدم عليها ستكون طويلة الأمد، وإحدى تلك الخطوات طويلة الأمد ستكون عملية التدخل في شرق الفرات.

إنهم ينفذون عملية ذهنية كبرى من أجل إفساد كلّ الأنظمة والكيانات السياسية ومنظمات المجتمع المدني القائمة. ولهذا يجب إفساد المخطط الذي يقررون تنفيذه ضدّ هذه الكيانات. فلن نناصر أبدًا من هربوا من المعركة وفرّوا من على الجبهة.

إنها حركة مفسدة للمخططات الداخلية والخارجية

"حتى وإن كان ذلك يعني الانتحار"

إنّ هناك جبهة داخلية للكفاح القائم في شرق الفرات وشرق المتوسط وبحر إيجة. ولا شك أنّ تركيا ستعرف كيف تربح على كلتا "الجبهتين" بفضل حنكتها السياسية وبصيرة شعبها وخبرتها السياسية في المنطقة. وهذا هو المحور السياسي الوحيد اليوم.

وعندما تبدأ عملية التدخل في المنطقة سترون من سيغادر الركب ليهرب إلى المواقع التي ينتمي لها، وحينها ستتضح الهويات الحقيقة.

وما أصرّ عليه هو أنه يجب التدخل في شرق الفرات "حتى لو كان ذلك يعني الانتحار". فهذه هي الطريقة الوحيدة القادرة على إفشال كلّ تلك المخططات الداخلية والخارجية في محيطنا...

+

خبر عاجل

#title#