عصر الأكاذيب أو عهد "Post-Truth" الميول الخيالية وطقوس الخداع الجمعي. فرز طريقة اعتقاد ونموذج شخصية ومشروع سياسي جديد.عولمة "التقية" وتنفيذ أولى مخططاتها في تركيا. وهو ما علمناه تنظيم غولن الإرهابي - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

عصر الأكاذيب أو عهد "Post-Truth" الميول الخيالية وطقوس الخداع الجمعي. فرز طريقة اعتقاد ونموذج شخصية ومشروع سياسي جديد.عولمة "التقية" وتنفيذ أولى مخططاتها في تركيا. وهو ما علمناه تنظيم غولن الإرهابي

إننا نواجه حالة اسمها "عهد Post-Truth"، وهي حالة يمكن تعريفها بمصطلح "ما بعد الحقيقة"، وهي حالة تحكي عملية إضفاء صبغة مؤسسية على الأكاذيب. وأنا شخصيا أعتبر أن هذه الحالة تعبر عن تخطي الخيال للواقع وإخفائه للحقيقة بأسلوب مقصود ومتعمد، وأرى أن البشرية حكم عليها بما يمكن أن نطلق عليه اسم "طقوس الخداع الجمعي".

فرز طريقة اعتقاد ونموذج شخصية وتهيئة مجتمعية ومشروع سياسي جديد

إن ما نعيشه لهو نشر لدين وعقيدة جديدة يعطي الأولوية للخيال على حساب الحقيقة والصورة على حساب كل ما هو صحيح. إنه وباء عالمي مميت يحول بين الجنس البشري وبين حقائقه الواقعية والوجودية ويبدو وكأنه عازم على تدمير الإرث الإنساني تماما. لا أقصد بكلامي "الأكاذيب البريئة" والعادية في الحياة اليومية للبشر منذ مهد الإنسانية. فهي إحدى نزعات الجنس البشري التي كانت وستكون موجودة دائما.

لكني أعتقد أن الكذب الذي يعد واحدا من أقوى جوانب ضعف الإنسان من زمن آدم عليه السلام يجري تحويله الآن في القرن الحادي والعشرين إلى شكل من أشكال العقيدة ونموذج للشخصية وتهيئة مجتمعية ومخطط وخطاب سياسي.

حصار ذهني حالة من الرهن والشلل ومحاولة للإصابة بالعمى

إنهم يقدمون أيدولوجية جديدة في عهد يقال إن أيدولوجياته قد ماتت ليكشفوا النقاب عن مخطط دولي وضعوه وحاولوا "فرضه على الجماهير". فهم يمهدون الطريق لنتائج خطيرة بل وربما حملات تدميرية في السياسة والثقافة والدين والشخصية والعقيدة والفكر.

يخفون الحقائق ثم يروجون لها باستهتار ورعونة. يتابعون بدقة الحالة النفسية للجماهير وردود أفعالها وغضبها وتطلعاتها ورغباتها، ثم يخفون وراء هذه الحالة النفسية ورد الفعل والغضب مشروع الأكاذيب هذا ليقدموه للجمهور. يسعون لحصر العقول في مساحات ضيقة وإشغالها بها لينفذوا مخططا يرمي لإصابة الجماهير بالعمى. ليحولوا دون أن ترى الحقيقة والصورة كاملة، وهو ما يعتبر حصارا ذهنيا وحالة من الرهن والشلل.

عولمة "التقية" وتنفيذ أولى مخططاتها في تركيا

إن تركيا تواجه اليوم أشرس أشكال هذا المخطط؛ إذ ينشرون بها أسوأ نموذج لسوق الأخبار والمعلومات والادعاءات والمخططات والشخصيات الكاذبة والرجال الكاذبين. يسعون لتهميش شخصية تركيا وخداع الناس وإقناعهم بمخططهم الذي وضعوه مستغلين لحظة ضعفهم في تلك اللحظة في ظل هذه الحالة النفسية بدلا من إقناعهم بما هو صحيح، ليستفيدوا من غفلتهم للوصول لهدفهم. إنهم يخدعون الناس مستغلين العبارات المنمقة والوعود الفارغة، ثم ينشرون الأكاذيب من أجل الحيلولة دون استيقاظ الناس. كما أنهم ينفذون المشاريع الكاذبة باستمرار، ويغرقون الناس بوابل من الوعود والخطابات الفارغة.

يمكن أن نقول إننا اليوم نشهد في تركيا للمرة الأولى تطبيق "التقية"، التي يستخدمها الشيعة في إيران على نطاق واسع، على المستوى العالمي بشكل مؤسسي.

تركيا تعرفت بواسطة تنظيم غولن الإرهابي إلى مخطط إنشاء الوعي الكاذب الاحترافي

لقد تعرفت تركيا بواسطة تنظيم غولن الإرهابي إلى هذا المخطط عندما استغل الدين والأخلاق والمعنويات وكذلك "الكذب" كخطاب مؤثر وسلاح قوي. لقد كانوا خبراء محترفين في قول الكذب لدرجة أنهم لم يسمحوا لأحد حتى بالتقاط أنفاسه من خلال الفكر السليم.

لقد تعرفنا بواسطة تنظيم غولن الإرهابي إلى عهد "Post-Truth". فعلى الكذب أسسوا مخططهم السياسي وهويتهم، ومعهم ظهرت مصطلحات "إنشاء الوعي". ولقد تعرض المجتمع التركي لحالة من الشلل من أجل تنفيذ مخطط دولي بواسطة تنظيم غولن الإرهابي.

وللأسف فقد انتشرت هذه الحالة عقب ظهور ذلك التنظيم؛ إذ صار الكذب شيئا عاديا في تركيا بصفته الإرث الأكبر الذي خلفه هذا التنظيم هنا بوصفه ذراع المخابرات الأمريكية في تركيا بعدما استغل القيم الدينية للمجتمع.

٣١ آذار هي التجربة الثالثة عقب ١٥ تموز

إننا اليوم أمام حقائق نطلق عليها "طريقة غولن". ونعلم أن هناك الكثير من الأوساط السياسية والاجتماعية والتنظيمات ومجموعات رؤوس الأموال بل وحتى الجماعات صارت تستخدم الطرق ذاتها وتسعى من خلالها للوصول للقوة وتحقيق المصلحة.

لقد تسبب تنظيم غولن الإرهابي في أن نعيش ما هو أخطر من الدمار الذي تسبب فيه لتركيا في السابق؛ إذ إنه يسعون هذه المرة لنسف الحقائق وإصابة المجتمع بمرض ذهني وتمهيد الطريق أمام مشاريع سياسية مبنية على "الكذب والخداع".

لقد انتهت حملتا ١٧-٢٥ كانون الأول و١٥ تموز، لكن تأثيراتهما لا تزال مستمرة. وأنا شخصيا أعتقد أن انتخابات ٣١ آذار المحلية كانت بمثابة مخطط "ثالث" تلا ١٧-٢٥ كانون الأول و١٥ تموز كجزء من المخطط الكبير.

خطابات غولانية وكذب وخيال وأكرم إمام أوغلو

لقد كانت هذه الانتخابات انتخابات تفوقت فيها أساليب تنظيم غولن الإرهابي وأكاذيبه وخداعه على الحقيقة وأديرت خلالها الميول الاجتماعية من خلال الألاعيب العقلية وضللت خلالها الجماهير بالعبارات المنمقة والوعود الخاوية البعيدة المنفصلة عن حقائق تركيا ونطاقها.

ومن هذا المنطلق اعتبرت أكرم إمام أوغلو جزءا من المخطط سوقوه لنا بالأساليب الغولانية. ولهذا رأيته شخصية أنتجت من خلال دراسات العلاقات العامة والخطابات التي اشتغلوا عليها جيدا.

طريقة كلامه، نبرة صوته، خطاباته ووعوده، برامجه المبنية على "عدم إنجاز أي شيء"، طريقته في استغلال الغضب الاجتماعي والشكاوى، طريقته في العمل التي ليس لها علاقة بالواقع، ملابسه، هيئته، مفهوم قضاء العطلة لديه..

لن يكون له إرث سياسي سوى أكاذيبه

لقد أعدوا كل شيء وبرمجوه بشكل مسبق. وفي الواقع ليس هناك أي شخصية سياسية، فلا يوجد شيء سوى خيال ومخطط قدموه لنا وروجوا له بيننا من خلال إمام أوغلو.

ولو لاحظتم فسترون أن كل كلامه خلال فترة الانتخابات بني على الكذب، وظهر لنا جميعا أن كل كلمة قالها كانت كذبا. لكن يرَد الآن بالحرفية ذاتها على كل الوعود التي اتضح أنها كانت فارغة.

لقد فرضوا مشروعا على إسطنبول من خلال الكذب والخيال. وأعتقد أنه لن يكون له إرث في تاريخ تركيا السياسي سوى أنه رمز للكذب.

الميول الخيالية وأخطر تغيرات العصر كافة

ما أود قوله هو أن الميول الخيالية تحولت إلى نوع من أنواع مجالات الاهتمام والميل الدولي. فهذا صحيح. وربما يكون الإنسان يتجه لما هو وراء الطبيعة ولديه شغف لمعرفة ما وراء المعتاد والواقع والمعرفة. وهو ما نراه ونشعر به في السينما واللغة السياسية والخطاب الديني وتشكيل التيارات الاجتماعية.

لكن العالم يستعد لاستقبال أشرس العواصف وأشدها وأعمق التغيرات وأكبرها على مر العصور. ولهذا ربما تتحرر الهويات السياسية والأيديولوجيات من جذورها وتنهار أسس الحالة الاجتماعية ومشاعر الانتماء لدى الجنيس البشري.

البعض يستغل هذه القوة

وهنا بالتحديد تقام "الجبهة الداخلية"

بيد أنهم يديرون هذه الميول الجمعية ويستخدمون هذه القوة عبر استغلالها. يستغلون اهتمام بني البشر وميولهم ضدهم. فهم ينحرفون عن الطريق الصحيح ليحولوها لأداة لتنفيذ مخطط يسعى للسيطرة.

إنهم ينفذون مخططاتهم في هذا السياق من أجل تضليل العقول في تركيا من الداخل وإقامة أقوى الجبهات في الداخل، وهو ما يعتبر الخطر الحقيقي...

+

خبر عاجل

#title#