بماذا أخبرنا أردوغان؟ ماذا تريد تركيا فعله مع انهيار الهيمنة الغربية؟ - إبراهيم قراغول

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

بماذا أخبرنا أردوغان؟ ماذا تريد تركيا فعله مع انهيار الهيمنة الغربية؟

قال أردوغان "لقد وصلنا لنهاية مفهوم التفوق الغربي، فنحن أمام نظام دولي جديد يتشكل. لقد انتهت الهيمنة الغربية"، وهي العبارة التي تحمل أقوى كلمات قادمة من هذه الأرض للعالم كله.

ذلك أن ملخص التاريخ ورموز الماضي والمستقبل مخبأة كلها في هذا التحليل والقوة والجرأة القادرة على التلفظ به.

فإذا كانت العقلية التي صنعت التاريخ ورسمت ملامح الجغرافيا قادرة على الظهور بهذه القوة في الربع الأول من القرن الـ21 فهذا يعني أنها تركز على أهداف كبرى.

عقلية الإمبراطوريات لا تتكلم من فراغ

القوى العظمى لا تظهر بحمية فارغة

إن صدور هذه العبارات من تركيا يبشر بطفرات وتحولات كبرى في هذه الحقبة التي تشهد اتخاذ الدول والأمم قرارات جديدة وتغير ثقل القوى الدولية وإعادة تشكلها من جديد؛ إذ إن "صعود تركيا" لم يأت من قبيل الصدفة في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة تنغلق على نفسها وتنسحب من عدة مناطق حول العالم وفقدت فيه أوروبا روح "الاتحاد" وبدأت تركز على مشاكلها الداخلية وانهارت فيه قوة الغرب التي كانت تشكل النظام العالمي لقرون وخسرت فيه "أخلاقيا" دورها" الذي كانت تلعبه بصفتها "المركز".

إن عقلية الإمبراطوريات لا تظهر بحمية فارغة في مثل هذه الأوقات الحاسمة، لا تتكلم القوى والأمم التي تشكل ملامح التاريخ العالمي من فراغ في مثل هذه الفترات.

لذلك فإن الأمم والقوى التي عادت من جديد للقرن الـ21 برؤية عالمية في غاية الأهمية تقول كلمات وتحمل أفكارا وتتصرف بحركات حساسة للغاية في هذه الأوقات التي يشهد فيها العالم تحولات كبرى.

الغرب ينتقل من الهيمنة إلى "الدفاع"

يشهد العالم تحولات أكبر بكثير مما حدث في الحربين العالميتين القرن الماضي، ذلك أن هاتين الحربين كانتا في الواقع "حربا أهلية غربية".

لكن قوة الغرب هذه المرة تنتقل بصرامة إلى مساحات ودول أخرى دون نشوب أي حرب، وهو الحدث المستمر منذ عقدين من الزمان وتتسارع وتيرته.

ولا يقتصر الأمر على تركيا وحدها، بل إن كل الدول والأمم التي لها تقاليد إمبراطورية قوية ولديها عقلية مدركة للتاريخ والجغرافيا وتتبنى عقلية سياسية تتماشى مع هذا الأمر تطلق مثل هذه التصريحات والعبارات اليوم.

وهناك أحداث تخبرنا بالكثير من الأمور، ومن تلك الأحداث نذكر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانسحاب أمريكا من أفغانستان وآسيا الوسطى وبداية انكسار حدة قوتها في عدة مناطق بالشرق الأوسط وإقصاء أمريكا وبريطانيا لفرنسا في أوروبا ومنطقة المحيط الهادي وتعميق الانقسام داخل أوروبا وتصاعد التوتر بين روسيا والصين من جهة وبين أمريكا وبريطانيا من جهة ثانية ومحاولة أمريكا المحافظة على قوتها في الهادي وانتقال الغرب عموما من مرحلة الهيمنة إلى الدفاع.

بماذا يخبرنا أردوغان ويحاول إيصاله لنا؟

إن هذه الكلمات التي قالها الرئيس أردوغان تخبر عن المرحلة التالية لمرحلة "التاريخ الاستعماري" الذي بدأ تحت مسمى "الاكتشافات الجغرافية" و"تاريخ الاستعمار الحديث" والنظام العالمي الذي أسس عقب الحربين العالميتين.

إنه يقول للعالم "لقد عادت تركيا"، فكل "التدخلات" التي خاضتها تركيا في ليبيا وسوريا وقرع باغ وما كافحته من إرهاب وتدخلاتها للتخلص من مجموعات السلطة/الوصاية الغربية بالداخل تخبر في الواقع عن هذه الحقبة الجديدة من تاريخ تركيا.

فماذا كان ذلك الخبر؟ وماذا تسعى تركيا لفعله؟ وماذا يحاول أردوغان إخبارنا به؟

فتح "بوابة القوى الكبرى"

إنه عصر "الصعود مع المنطقة"

لقد لاحظت تركيا انهيار النظام الغربي بعد قرون من الزمان وأحسنت قراءة هذا المشهد ورأت موجات صعود وتقاسم قوة جديد، كما رأت المساحات المفتوحة ومن تراجع ومن فتحت أمامه مساحات جديدة.

ولقد قرأت تركيا أن التاريخ فتح أمامها وبعض الدول الأخرى المشابهة لها "بوابة القوى الكبرى" مجددا، ففتحت طريق "الصعود مع المنطقة" باستمرارية لتاريخ الدولتين السلجوقية والعثمانية والجمهورية التركية.

ولم تنشر تركيا تأثير مكافحة الإرهاب في الأناضول فقط، بل نشرت تأثير الأمن والنفوذ في مساحات أوسع بكثير؛ إذ كانت على علم أن قدرتها وعقليتها السياسية تكفيها لفعل ذلك وأن "تأسيس قوة" استثنائية أمر ممكن. ولا شك أنه في الوقت الذي خسر فيه البعض القوة انتقلت هذه القوة إلى دول أخرى، وهي القوة التي بدأت تركيا بالفعل تجمعها.

هذا ما أقصده عندما أقول "ستهز محور العالم"

لقد كانت تركيا في السابق تواجه تنظيمات إرهابية مثل بي كا كا، لكنها اليوم تواجه دول العالم المركزية والدول الاستعمارية وكل الدول الغربية التي تقف أمامها في كل مكان وصلت إليه.

لكن تركيا استطاعت الخروج من كل هذه المناطق أقوى من السابق، ويكفينا ما حققته في شرق المتوسط وتصفية الحسابات التي دخلتها مع فرنسا وفازت بها في أفريقيا لتخبرنا عن النجاحات التي استطاعت الوصول إليها.

إن العلاقات والشراكات التي أسستها تركيا في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى ستهز المحور الرئيس للأرض، وهو ما يحدث بالفعل حاليا.

لقد برهنت تركيا على أن صعود "قوة ثالثة" قوية للغاية في محور الأرض أمر ممكن في الوقت الذي ينقسم فيه العالم بين الشرق والغرب.

الموجة الصادمة قادمة

لذلك أقام الغرب "جبهة الانتقام" بالداخل

إن هذه هي الموجة الصادمة التي غيرت كل الموازين، فلم يكونوا يتوقعونها، فالغرب فوجئ مفاجأة كبرى، فملأته مشاعر الغضب التي جعلته يقيم جبهة الانتقام "بالداخل"، فأقام على أراضينا "جبهة إيقاف تركيا" من خلال الأحزاب السياسية والتنظيمات الإرهابية". فهل هذا يكفي؟ وهل سيستطيع من فشلوا في إيقافنا بالخارج أن يوقفونا بالداخل؟

لا أظن ذلك، ذلك أن الذين أقاموا هذه الجبهة يخسرون، فلن تستطيع "الهيمنة والاستعمارية والوصاية" الصمود أمام هذه العقلية والصعود الكبير.

ذلك أن هذه ليست مسألة سياسية داخلية أو مسألة حزب سياسي، بل إنها عودة دولة لتبدأ مسيرتها التي أوقفتها على مدار القرن العشرين.

ولعلكم تلاحظون أن قلاع القوى الاستعمار المستكبرة والمجرمة تنهار الواحدة تلو الأخرى. فلقد خسروا المستقبل بسبب كبرهم والتاريخ السياسي الدامي الذي فرضوه على الأمم، لتبدأ كل أمة بالتحرك في الوقت الذي فقدوا فيه القوة.

رسالة التاريخ:

علينا ألا نسمح بأن يهدموا هذه الإمبراطورية مجددا من الداخل

لقد كانت تركيا هي الدولة الرائدة لهذه الموجة. ولهذا فقد كان طريق تركيا هو طريق المنطقة. ولقد اكتشف الرئيس أردوغان قوة تركيا والمنطقة وبدأ تحريكها. فهذه ثورة ستفضي لهزات عالمية وتغيرات عميقة.

وهذا هو سبب مشاعر الغضب التي يحملونها تجاهه.

لكن أردوغان يعلم صراحة حقيقة يراها العالم بأسره؛ إذ قال "لقد وصلنا لنهاية مفهوم التفوق الغربي، فنحن أمام نظام دولي جديد يتشكل، لقد انتهت الهيمنة الغربية". لقد وصلنا لنهاية تاريخ السيطرة الغربية على العالم.

إنها رسالة التاريخ! فهذه الكلمات ستغير التاريخ، وهو ما سنراه جميعا، يكفي ألا نسمح لهم بأن يهدموا هذه الإمبراطورية مجددا من الداخل.

+

خبر عاجل

#title#