نهاية القيادة الأمريكية.. من الليبرالية الدولية إلى القومية

11:4910/12/2025, Çarşamba
تحديث: 1/01/2026, Perşembe
قدير أوستون

تُبرز وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب مثالًا صارخًا على تخلّي أمريكا عن ادعائها الطويل الأمد بقيادة النظام الليبرالي العالمي. عند النظر إلى التهديدات والتحديات المدرجة في الوثيقة، يظهر أن أيديولوجية "أمريكا أولاً" تُصوّر النظام الليبرالي الدولي نفسه كمشكلة، وتحول إلى قومية تركز على حماية حدود القارة الأمريكية. بينما كانت إدارات بوش وأوباما وبايدن تعتبر استمرار النظام العالمي الليبرالي بقيادة أمريكا المحور الأساسي للأمن القومي، يقدّم ترامب فهمًا للسيادة الوطنية يركز على الأمن الحدودي والاقتصاد

تُبرز وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب مثالًا صارخًا على تخلّي أمريكا عن ادعائها الطويل الأمد بقيادة النظام الليبرالي العالمي. عند النظر إلى التهديدات والتحديات المدرجة في الوثيقة، يظهر أن أيديولوجية "أمريكا أولاً" تُصوّر النظام الليبرالي الدولي نفسه كمشكلة، وتحول إلى قومية تركز على حماية حدود القارة الأمريكية. بينما كانت إدارات بوش وأوباما وبايدن تعتبر استمرار النظام العالمي الليبرالي بقيادة أمريكا المحور الأساسي للأمن القومي، يقدّم ترامب فهمًا للسيادة الوطنية يركز على الأمن الحدودي والاقتصاد القومي. ترامب، الذي ينفصل بشكل حاد عن تصورات الإدارات السابقة، يضع مكافحة الهجرة الجماعية، الاستقلال الاقتصادي، والحروب الثقافية كأهم قضايا الأمن القومي.

نهاية الإجماع الليبرالي


استند الاستراتيجيون الأمريكيون في فترة الحرب الباردة وما بعدها إلى افتراض أن الرأسمالية الليبرالية هي أفضل نظام للبشرية، وأصروا على قيادة الولايات المتحدة لهذا النظام. الإجماع الليبرالي، الذي اعتبر التجارة الحرة والاقتصاد السوقي أساس المصالح الأمريكية وأن النظام الدولي القائم على القواعد ينظم العلاقات بين الدول، كان مدافعًا عنه من قبل كل من الإدارات الجمهورية والديمقراطية.


على سبيل المثال، إدارة بوش التي أعلنت الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر رأت في الرأسمالية السوقية الحرة وتعزيز الديمقراطية أساس استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. سعت إدارة أوباما أيضًا إلى مواصلة قيادة أمريكا في مواجهة التحديات العالمية مثل أسلحة الدمار الشامل والتغير المناخي من خلال تعزيز المؤسسات والقواعد الدولية. وتبنت إدارة بايدن موقفًا دوليًا ليبراليًا مشابهًا، معتبرة أن استمرار القيادة الأمريكية يعتمد على انتصار الديمقراطيات على الأنظمة الاستبدادية.


كانت دفاعات الرأسمالية الأمريكية عن السوق الحر مرتبطة مباشرة برغبة شركاتها الكبرى في الوصول إلى جميع الأسواق العالمية. أحد أهم نتائج ذلك كان قبول الصين في منظمة التجارة العالمية ودمجها في النظام الرأسمالي. انتقال البنية التحتية للإنتاج من أمريكا إلى الصين وبقية آسيا أثر على العمالة الصناعية في القارة الأمريكية. واستجابة لذلك، فضّل الناخبون شخصيات خارج النظام مثل أوباما وترامب، مما أظهر أن الإجماع الليبرالي لم يحظَ بتأييد الشعب الأمريكي بشكل كامل. استخدام أوباما لعبارة "تقاسم العبء" بشكل متكرر يعكس شكوى أمريكا من العبء الذي تتحمله في النظام الدولي الذي أنشأته بنفسها. وقد تمكّن ترامب من النجاح عبر طرح قضايا العمالة والهجرة، مدركًا أن النخبة الأمريكية لا تشارك الشعب في تبني الإجماع الليبرالي.


القومية كاستراتيجية جديدة لأمريكا


حاول ترامب خلال ولايته الأولى إدارة البلاد بممثلين من المدافعين عن الإجماع الليبرالي، مما أعاق تطبيق خطاباته القومية. في فترة رئاسته الثانية، أدخل معظم المسؤولين الذين لا يمتلكون خلفية في واشنطن ويخضعون له بالكامل، مما سهّل تطبيق جدول أعماله القومي.


تشير الوثيقة الاستراتيجية إلى انتقاد ترامب الحاد لنخبة الدفاع عن الإجماع الليبرالي وسعيها للهيمنة العالمية وتبنيها للتجارة الحرة. يرى ترامب أن النظام الدولي والمؤسسات يشكلان عائقًا أمام السيادة الأمريكية، ويعتبر حماية الحدود الوطنية من الهجرة الجماعية والسلع الأجنبية مصلحة وطنية أساسية. ومنظور "أمريكا أولاً" الذي تطرحه الوثيقة يعكس بوضوح تحول الولايات المتحدة من الإجماع الليبرالي العالمي إلى استراتيجية قومية تركز على القارة الأمريكية.


يكتفي ترامب بتصنيف الصين كخصم اقتصادي، ويطرح استخدام الرسوم الجمركية كسلاح استراتيجي لإعادة البنية التحتية للإنتاج الصناعي إلى القارة الأمريكية. ويضع في صميم استراتيجيته الاقتصادية القومية استخدام الموارد الأمريكية في الطاقة لتحقيق التفوق، تفضيل العمال الأمريكيين، ومكافحة العجز التجاري. ورغم وعده بإعادة التصنيع، لم يقدم حتى الآن برنامجًا شاملًا، بل ركّز على استثمارات شركات التكنولوجيا الأمريكية واستثمارات دول أخرى في أمريكا، على أمل أن تُحفّز هذه الاستثمارات مرحلة جديدة من التصنيع وتخلق وظائف جديدة للعمال الأمريكيين. ومدى نجاح هذا يبقى رهين الزمن، لكن من الواضح أن استراتيجيته تتسم بشك جذري تجاه التجارة الدولية.


أوضح مؤشر على انفصال ترامب عن الإجماع الليبرالي هو موقفه من الحلفاء الأوروبيين والمعايير والمؤسسات الدولية. عارض ترامب الإجماع الليبرالي الذي يرى في العلاقات مع الناتو والاتحاد الأوروبي أكبر قوة، وقرأ أوروبا من منظور التنظيمات المفرطة، الانخفاض الديمغرافي، والهجرة باعتبارها تهديدًا للحضارة. وشدد على ضرورة إعادة استقرار العلاقة الاستراتيجية مع روسيا. تتحدث الوثيقة عن تطبيق نسخة ترامب من مبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي، مع إنهاء الوجود العسكري لدول ثالثة، وتنفيذ عمليات عسكرية ضد شبكات المخدرات، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد. وتُظهر رؤية ترامب عدم الانخراط في صراع عالمي مع الصين وروسيا، وتقييد الهيمنة الأمريكية بالنصف الغربي للأرض، مما يبرز أمريكا كقوة إقليمية تحمي مصالحها ضمن منطقتها.


كانت إحدى أهم القوى الدافعة لوصول ترامب إلى السلطة رد الفعل على فشل الإجماع الليبرالي بعد الحرب الباردة في معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الأمريكية (البطالة، عدم المساواة في الدخل، إدمان المخدرات، التشرد، ارتفاع تكاليف المعيشة وغيرها). بعد استغلال ترامب عدم رضا الأمريكيين عن النظام الاقتصادي الليبرالي المفتوح لتولي السلطة، حاول الانتقال إلى نظام اقتصادي قومي وقائي. ويدعي ترامب من خلال الرسوم الجمركية والحروب التجارية أنه يحمي المصالح الاقتصادية الأمريكية، متخليًا عن ادعاء القيادة العالمية ومعتبرًا أن هذا الادعاء هو سبب مشاكل أمريكا الأساسية.


على عكس وثائق الاستراتيجية السابقة التي كانت تقوم بتحليل شامل للنظام الدولي، تتجاهل وثيقة ترامب النظام الدولي ومؤسساته تقريبًا، مشيرة إلى نجاح الضغوط على الناتو. ويمكن اعتبار وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب إعلانًا عن تحول أمريكا من الادعاء بالقيادة العالمية إلى التركيز على حدودها الوطنية وسيطرتها على نصف الكرة الغربي.

#ترامب
#الولايات المتحدة
#الليبرالية