الاعتراف المتأخر في دافوس

08:0728/01/2026, Çarşamba
تحديث: 28/01/2026, Çarşamba
قدير أوستون

موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة دافوس عام 2009، المعروف باسم ‘One Minute’، سجلت حدثًا تاريخيًا كشف عن الظلم في النظام الدولي وعن المكانة الخاصة التي تتمتع بها إسرائيل داخله. وعندما أعلن أردوغان أنه لن يذهب إلى دافوس مجددًا، كان من المؤكد أنه لم يكن يتوقع أن تعود القمم اللاحقة لتؤكد على ما كان يقوله. ويبدو أن الجدل في القمة الأخيرة أتى ليؤكد موقفه بطريقة ساخرة. ويبرز خطاب رئيس وزراء كندا، ستيفن كارني، كأوضح مثال على ذلك، إذ اعترف بأن النظام الدولي القائم على القواعد متحيز لصالح القوى الكبرى،

موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة دافوس عام 2009، المعروف باسم ‘One Minute’، سجلت حدثًا تاريخيًا كشف عن الظلم في النظام الدولي وعن المكانة الخاصة التي تتمتع بها إسرائيل داخله.

وعندما أعلن أردوغان أنه لن يذهب إلى دافوس مجددًا، كان من المؤكد أنه لم يكن يتوقع أن تعود القمم اللاحقة لتؤكد على ما كان يقوله. ويبدو أن الجدل في القمة الأخيرة أتى ليؤكد موقفه بطريقة ساخرة. ويبرز خطاب رئيس وزراء كندا، ستيفن كارني، كأوضح مثال على ذلك، إذ اعترف بأن النظام الدولي القائم على القواعد متحيز لصالح القوى الكبرى، وأعلن في خطابه نهاية النظام الليبرالي الدولي.

وللمرة الأولى، سمعنا من قادة غربيين انتقادات أردوغان المستمرة على مدار سنوات حول فشل النظام الدولي والحاجة إلى ترتيب أكثر عدلاً. ومن خلال هذه التصريحات التي جاءت على منصة دافوس، إحدى أقوى وأقدم منابر الدفاع عن النظام الليبرالي الدولي، ظهر مدى عمق الأزمة التي يعانيها هذا النظام. وكان خطاب كارني بمثابة اعتراف الغرب أخيرًا بصحة انتقاد أردوغان للنظام غير العادل. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل القوى المتوسطة مستعدة لتحمل مسؤوليات هذه الرؤية ودفع ثمنها؟


الغياب عن الطاولة يعني الغياب عن القرار


وانتقد كارني، دون ذكر اسم الولايات المتحدة أو ترامب، تجاهل أمريكا للقانون الدولي والمعايير الدولية، مؤكدًا أن دولًا متوسطة مثل كندا قادرة على بناء نظام عالمي جديد. واعتبر الفترة الحالية ليست مجرد «مرحلة انتقالية» بل «مرحلة انفصال»، مشيرًا إلى استياء دول التحالف الغربي من استخدام ترامب للقوة الأمريكية دون الالتزام بالقانون الدولي والمعايير الدولية.

وكان نقطة التحول مع تدخل ترامب في فنزويلا، حين اكتفى باعتبار القضية مسألة أمن قومي، متجاهلاً بذلك مبادئ عدم الاعتداء واحترام السيادة الوطنية. ثم جاء إصرار ترامب على ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة ليكشف مجددًا عن عمق الأزمة داخل الغرب. ولم تستطع الدول الأوروبية، التي فشلت في إرسال رسالة واضحة بالدفاع عن غرينلاند ضد الولايات المتحدة، أن تعلن استعدادها للدفاع عن المعايير والقواعد الدولية.


في ظل غياب المدافعين عن النظام الدولي القائم على القواعد، اقترب خطاب كارني من ما وصفه الرئيس الفنلندي السابق ستوب بـ «الواقعية المبنية على القيم». فقد اقترح ستوب في مقال نشرته مجلة فورين أفيرزتحقيق توازن بين القيم والمصالح، وإصلاح التعددية، وإشراك القوى الصاعدة في صنع القرار لإعادة بناء الثقة بالنظام الدولي.

وذهب كارني أبعد من ذلك حين دعا القوى المتوسطة للتحرك المشترك، مؤكدًا أن هذا سيكون الطريق للتخلص من تأثير القوى الكبرى الفردي والقاهر. كما أوضح أن تشكيل تحالفات مختلفة على المستويات الإقليمية والعالمية يتيح حماية القيم والمصالح المشتركة. ولم يكن هذا سوى اعتراف بالواقع الطويل الأمد، مثل تعطيل مجلس الأمن لمشاكل سوريا وفلسطين، أو تدخل مختلف الدول الإقليمية (قطر، السعودية، مصر، تركيا) في قضايا إنسانية مختلفة، أو انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ أو الاتفاق النووي الإيراني، حيث واصلت الأطراف الأخرى العمل بدون واشنطن وتشكيل تحالفات جديدة.


هل الأمل مع القوى المتوسطة؟


عندما تتخذ القوى المتوسطة زمام المبادرة في مسائل تعرقلها القوى الكبرى، غالبًا ما تتحمل تكاليف باهظة بمفردها. على سبيل المثال، معارضة تركيا على مدى سنوات لتوسيع الاحتلال الإسرائيلي وسياسات التطهير العرقي لم تلق دعمًا من القوى المتوسطة الأخرى، بل واجهت ردود فعل من الولايات المتحدة وأوروبا.

وعندما رفعت جنوب أفريقيا قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل، لم تنضم إليها سوى تركيا إلى حد كبير، بينما أقر الكونغرس الأمريكي قوانين لمعاقبة قضاة المحكمة. هذه الأمثلة تبين أن القوى المتوسطة، عندما تتحرك دفاعًا عن القيم والمبادئ، غالبًا ما تواجه العقاب من القوى الكبرى وتترك وحيدة من قبل القوى الأخرى.


إذا كان قادة مثل كارني يؤمنون بقدرة القوى المتوسطة على بناء نظام جديد، فيجب عليهم أن يكونوا مستعدين لإظهار التضامن والتحرك ضد القوى الكبرى عند الحاجة. ورغم تأخر الاعتراف بهذا، فإن حديث القادة الغربيين عن فشل النظام الدولي وضرورة بناء نظام جديد يعد تطورًا إيجابيًا. إلا أن التحدي الأكبر سيكون كيفية تحمل التكاليف الناتجة عن هذه الخطوات.


القوى المتوسطة ستضطر دائمًا لأخذ مصالح القوى الكبرى بعين الاعتبار، بمعنى أنه ليس من الواقعي بناء نظام دولي سواء مع أو بدون القوى الكبرى. في هذا السياق، يجب على قادة دول مثل كندا، التي تصف نفسها بالقوة المتوسطة، وضع آليات ملموسة للتضامن مع نظرائهم، والاستعداد لدفع التكاليف الناتجة عن ذلك.

فالنقاشات التي جرت على منصة دافوس، رمز النظام الليبرالي، لا يجب أن تبقى مجرد تمرين فكري. تخلي الولايات المتحدة عن القيادة العالمية لا يعني انسحابها من السياسة الدولية، بل يشير إلى قدرتها على استخدام قوتها بشكل أكثر قسوة وتعسفًا، كما رأينا في فنزويلا وإيران وغرينلاند وغزة. لذلك، لن يكون تضامن القوى المتوسطة فعالًا إلا مع آليات ملموسة وتقاسم للتكاليف، وإلا فإن دعوة كارني في دافوس ستفقد تأثيرها بمجرد الخوف من رد فعل واشنطن.

#رئيس وزراء كندا ستيفن كارني
#ترامب
#دافوس
#أردوغان
#ون مينيت