"ليس هناك شيء مختلف، ولا حتى أي تقدم" - محمد آجات

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

"ليس هناك شيء مختلف، ولا حتى أي تقدم"

تبادلنا أطراف الحديث قبل نحو شهر مع أحد المسؤولين الأمنيين رفيعي المستوى حول السيناريوهات المحتملة في شمال سوريا وشرق الفرات، فقال فجأة "يمكن أن نضرب تلك المنطقة قريبًا".

لم تدهشنا العبارة التي استخدمها ذلك المسؤول، لكن تحتم علينا أن نطيل الحديث معه قليلا لنفهم كنهها. فتحدثتُ عن "السيناريوهات المتفائلة" بشأن المباحثات الجارية مع الجانب الأمريكي، وطرحت للنقاش الشائعات التي تقول إن الولايات المتحدة لجأت إلى تركيا في مسألة المنطقة الآمنة لأنها عجزت عن الحصول على الدعم الذي كانت تبحث عنه من الدول الأخرى، وكذلك المزاعم التي تفيد بتوصل أنقرة وواشنطن إلى اتفاق حول إخراج عناصر ي ب ك من هذه المنطقة.

فهزّ المسؤول الأمني رأسه ردًّا بالسلب على كل ما قلته، ثم أنهى الحوار بعبارة قال فيها "إننا بعيدون كل البعد عن التقارب مع واشنطن!"

بعد أن أجرينا هذا اللقاء مع ذلك المسؤول الأمني ببضعة أيام، انتشرت أنباء عن إجراء مفاوضات جديدة باسم تركيا مع قادة العشائر في شمال سوريا، وأن قادة الجيش السوري الحر صدرت لهم تعليمات ليكونوا مستعدين "في كل لحظة"، وأن الجيش التركي عاود إرسال تعزيزات عسكرية باتجاه الحدود.

وكانت هذه التحركات التي كانت يشهدها الجانب التركي من الحدود مع تل أبيض ورسولين على وجه الخصوص تتابع عن كثب كذلك من قبل الأذرع الاستخباراتية الأمريكية. فالمسؤولون في واشنطن قرروا تنفيذ هجوم بعدما بدؤوا يشعرون بالقلق مما ستؤول إليه الأمور.

ولقد أجرى المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري زيارة إلى أنقرة، تزامن معها تطور آخر اتضح أنه وقع بغرض تهديد تركيا. ففي الوقت الذي وصل فيه الوفد الأمريكي برئاسة جيفري إلى أنقرة لإجراء مباحثات حول سوريا، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية فرانك ماكنزي كوباني في سوريا حيث التقى شاهين جيلو أحد قادة ي ب ك، بل والتقط معه بعض الصور.

وفي تصريح أدلى به ماكنزي للذراع الإعلامي لمنظمة ي ب ك الإرهابية قال إن العملية المحتملة التي ستنفذها تركيا في شرق الفرات سيكون لها "تبعات"، مستخدمًا عبارة تهديدية.

ليس هناك أدنى داع للتفكير كثيرا حول معنى تزامن زيارة جيفري لأنقرة مع زيارة ماكنزي إلى كوباني والتقاطه الصور مع زعيم ي ب ك. فالغرض هنا هو الحيلولة مرة أخرى دون تحرك تركيا بأي طريقة كانت. ولهذا فإن هذه الزيارة التي أجراها جيفري إلى أنقرة تعتبر أحدث مراحل استراتيجية "المراوغة" المتكررة باستمرار منذ عام 2014.

ولقد عقد جيفري وفريقه أمس الأول اجتماعا استغرق 3 ساعات مع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بمقر وزارة الدفاع حيث اتفق الجانبان على إجراء الوفود العسكرية مباحثات مشتركة حول المنطقة الآمنة. وجاء في البيان الصادر عقب لقاء خلوصي – جيفري، ثلاثة عناوين رئيسة عكست الموقف التركي من هذه القضية، وهي كالتالي:

• إقامة منطقة آمنة شرق الفرات بتنسيق مشترك بين تركيا والولايات المتحدة.

• طرد عناصر منظمة بي كا كا/ي ب ك من المنطقة الآمنة، وكذلك تدمير المواقع والتحصينات الموجودة في المنطقة وجمع الأسلحة الثقيلة.

• توفير الظروف المواتية لعودة إخوتنا السوريين إلى منازلهم بعدما اضطروا للنزوح منها.

هذه كانت مطالب الجانب التركي، لكن هل يا ترى كان هناك أي إشارة على إظهار الولايات المتحدة أي تفهم أو تقارب مع هذه المطالب؟

طرحت سؤالا على مسؤول آخر رفيع المستوى مطّلع على تفاصيل تلك المباحثات، فقلت له "هل هناك اتفاق بشأن المنطقة الآمنة؟ وهل صحيح ما يدور حول وجود مقترح جديد؟" فأجاب ذلك المسؤول عن سؤالي بعبارتين مقتضبتين "ليس هناك شيء مختلف، ولا حتى أي تقدم".

وكما نرى فإن هاتين العبارتين تعتبران بمثابة تأكيد صدر عن مسؤول آخر للعبارة التي قالها المسؤول الذي نقلت تصريحه في بداية المقال عندما قال "إننا بعيدون كل البعد عن التقارب مع واشنطن".

وإن أصل المسألة أن كل شيء يدور ليعود ويرجع إلى النقطة التي بدأ منها. تنتهج الولايات المتحدة سياسة في شمال سوريا من خلال البنتاغون، وهي السياسة التي لم تتخل عنها حتى الآن. وأما تركيا فتقاوم لإيمانها بأن هذا المخطط يعتبر تهديدًا بدرجة الحياة والممات بالنسبة لها.

وأما النقطة الواضحة حاليًا هي أن التطورات بالنسبة لشرق الفرات رجعت لما كانت عليه مجدّدًا قبل تاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول عندما التقى الرئيس أردوغان ترامب الذي قرر خلال ذلك اللقاء سحب القوات الأمريكية من سوريا، لكنه تراجع لاحقًا عن هذا القرار بسبب الضغوط "الداخلية" التي مورست عليه.

وأما أردوغان فقد أرجأ خيار التدخل الذي كان سيعلن عن تاريخه عقب ذلك اللقاء، ليقرر الانتظار لبعض الوقت. إذن، ألا يعتبر الامتناع عن سحب القوات الأمريكية بالرغم من قرار ترامب وعدم تحول فكرة المنطقة الآمنة إلى اتفاق يمكن أن تقبله تركيا، ألا يعتبر عودة شروط التدخل بالنسبة لتركيا لما كانت عليه قبل 14 ديسمبر/كانون الأول؟

+

خبر عاجل

#title#