من ضوء الشفق إلى نور الشمس مجدا: تركيا وبريطانيا... - نيدرت إيرسانال

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

من ضوء الشفق إلى نور الشمس مجدا: تركيا وبريطانيا...

رغم أن القنوات الفضائية تتناول كثيرا قضايا السياسة الخارجية، في حين لا نرى ذلك بين الصحافيين، فإن الحديث عن دولة "الملكة الأبدية" أصبح لا ينقطع، وذلك بغض النظر عما يصدره البعض من أحكام حول ديناميكيات تركيا والشرق الأوسط والعالم...

لن يغضبنا هذا الأمر كذلك.. فكما تعلمون فإن وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية في بريطانيا تتسم بكثير من السرية والكتمان عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي بل والسياسة الخارجية لبريطانيا...

لكننا نعلم جيدا أن بريطانيا التي غادرت الاتحاد الأوروبي ستظهر بشكل أكبر وأكثر مما كن في الماضي على الساحة الدولية، فهي مضطرة لفعل ذلك...

ولقد وقعت بريطانيا خلال فترة قصيرة تقدر بأقل من عامين اتفاقيات تجارية مع 60 دولة من خارج دول الاتحاد الأوروبي. كما صار تربطها مع تركيا اتفاقيات تختلف عن تلك التي تربطها بالاتحاد الأوروبي، بل إن "اتفاقا أكبر" مع أنقرة فيقادم في الطريق، وهو ما يبرهن على أن لندن رسمت في مخيلتها صورة "النظام الدولي الجديد" والعالم ما بعد جائحة كورونا وخروجها من الاتحاد الأوروبي. وربما يكون القدر قد تجلى مجددا لما رأينا أن هذه الرؤية البريطانية الجديدة تتوافق مع كل ما تسعى تركيا لتحقيقه!

النظام الجديد قادم لكن النظام القديم ما يزال حيّا

لقد شهد الأسبوع الماضي مباحثات مكثفة على مستوى علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لكن هذا سيتغير خلال الأيام المقبلة عندما سيكون الحديث مكثفا عن أفغانستان. ولعلنا نستفيد من هذه المرحلة الانتقالية لنفتح ملف بريطانيا...

إن السياسات التي ستنتهجها بريطانيا خلال المرحلة المقبلة في الملفات التي تخص الصين وروسيا والولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط والخليج العربي والقارة الأفريقية ودول المحيطين الهندي والهادئ ستلعب دورا محوريا في عملية صياغة النظام الدولي الجديد، أما بالنسبة لتركيا فستكون بمثابة "البوصلة" التي ترشدها في طريقها...

ولعلي أيسّر ما سأقوله لاحقا؛ إن من سيجري أي قراءة حول بريطانيا عليه أن يعلم جيدا أن المملكة المتحدة كافحت للدفاع عن النظام الدولي والوضع الحالي القائم في العالم منذ الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة. لكن يبدو أن "الدفاع" لن يكفي بريطانيا في المرحلة المقبلة! فهذه قاعدة بريطانيا في المستقبل...

وبعد الاعتراف بهذه الحقيقة يبقى أكثر سؤال يثير فضولنا هو كيف ستنفذ بريطانيا هذا الأمر؟ ما نعلمه هو أن الإنجليز يقبلون بأن "نظاما جديدا" يسير نحو النمو. كما أنهم يدركون أن الصين ودول المحيطين الهندي والهادي والأسواق الجديدة ونمو الطبقة المتوسطة على مستوى العالم والصراعات القائمة بين الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية هي الجبهات الأساسية التي سيواجهونها. كما أنه يقبلون أن رسم ملامح هذه السياسات القاطعة في التحليل الأخير يعني "عالم متعدد الأقطاب"...

لكنه لا يعني أنهم سيؤيدون هذا النظام الجديد!

حصاد الأوراق حتى المواجهة...

ستعمل بريطانيا خلال المرحلة المقبلة على تطوير كيان "سريع ومؤثر" من أجل "استخدام الدبلوماسية" المعروفة عن بريطانيا من خلال "قوة عسكرية" لها عناصرها وسياستها الخارجية الخاصة. ويعمل الإنجليز منذ الحرب الباردة على ضخ أكبر استثماراتهم في قطاع الدفاع. وعلنا نذكّر في ها الصدد أن بريطانيا أوقفت خفض عدد أسلحتها النووية بل وأعلنت أنها ستزيدها. كما يقيم الإنجليز علاقات خاصة مع أكبر عدد ممكن من الدول حينا بشكل جماعي وأحيانا بشكل فردي بما هو أقل من مستوى التوقعات الاستراتيجية.

لكن سيكون للإنجليز تحالفات كبرى مع الولايات المتحدة والناتو و"الأعين الخمسة". وستبقى الولايات المتحدة "أهم شريك". كما أن الإنجليز لا يقبلون أبدا التفاوض حول دورهم في تحقيق أمن أوروبا، ويعتبرون أوروبا والأطلسي "بؤرة أمنية" و"الحصن الأخير". أي أن بريطانيا قد اختارت موقعها على ساحة العالم متعدد الأقطاب...

من ناحية أخرى، فقد بدأت بريطانيا الاعتراف بوجود مساحات غموض على المستويين الجيوسياسي والجيواقتصادي. لذلك نراها تعمل على وضع "سياسة خارجية مختلطة" مبنية على هذه التطورات. فمثلا تجدها ترسل إلى المحيط الهادئ أقوى وأحدث سفنها الحربية، لكنها من ناحية أخرى تحافظ على علاقتها مع الصين عند مستوى "الأجندة الإيجابية". وكما أنها تهتم بعضوية رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، فإنها ستسعى للانضمام إلى الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة العابرة للمحيط الهادئ (CPTPP) الذي يعد أحد أهم المنظمات الدولية.

تهتم بريطانيا كذلك بشرق أفريقيا ودول الخليج العربي، كما أنها موجودة في معادلات البحر المتوسط وأفغانستان، وتتمتع بثقل كبير في الهند وبتأثير في القوقاز أكبر من تأثير الولايات المتحدة. ولطالما اهتم الإنجليز بالشرق الأوسط، وربما يكون موقفهم أكثر بساطة، لكنهم يريدون علاقات وطيدة بشكل أكبر بين تركيا ودول الخليج. أما بالنسبة لروسيا فمن الواضح أن الإنجليز لن يتفقوا معها في حين أنهم قادرون على ذلك. وبالنسبة لدول المحيطين الهندي والهادئ فإنهم يريدون العمل على تطوير علاقتهم بكل واحدة منها على حدة، فلديهم الوسائل التي تؤهلهم زيادة ثقلهم بتلك الدول...

العجيب في الأمر أنهم متأكدون من أنه بحلول عام 2030، أي بعد أقل من 10 سنوات، سيصبح العالم متعدد الأقطاب مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي والجيوسياسي إلى الشرق نحو دول المحيطين الهندي والهادئ. ورغم ذلك فإن الإنجليز لا يحدّثون المواقع الحالية، مع أنهم لا يثبتونها في مكانها. لكنهم في الوقت ذاته يسعون بشتى الطرق المحافظة على/جمع أكبر عدد من الأوراق إلى أن يأتي/يتأكد "ذلك اليوم"...

وهو أحد التقاليد الإنجليزية المعروفة.

خريطة "القوى الوسطى" المتحدة...

ذلك علينا تسجيل بعض التوقعات التي يحملها الإنجليز في هذا السياق، مثل أنهم يتوقعون كما يتوقع الأمريكان أن العالم سيشهد تخليّا عن الوقود الأحفوري، هو ما سيضع الدول المنتجة للنفط في مأزق، وأن دول جنوب الصحراء الأفريقية ستكون المنطقة التي ستواجه أكبر مخاطر الصراعات وعدم الاستقرار. كما أنهم يتوقعون، وهذا الأمر في غاية الأهمية، أن الأهمية الجيوسياسية للقوى الوسطى ستزيد، وأن تأثير هذه الدول سيزيد أكثر لا سيما عندما يتحركون بالتنسيق معهم، وأن العناصر غير الحكومية، خصوصا "شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات"، سيزيد دورها الجيوسياسي...

إن هذه الخطوط العريضة للسياسة الخارجية البريطانية الجديدة، التي يمكن أن نصفها بأنها عامة بشكل استثنائي، تتضمن خطط مفصلة تناسب كل مرحلة، لذلك يجب الرجوع إلى هذه الخطط ومراجعتها في كل مكان يتقاطع فيه طريقنا حول العالم. (راجع: بريطانيا العالمية في عصر تنافسي: المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية)

‘Global Britain in a Competitive Age: the Integrated Review of Security, Defence, Development and Foreign Policy’, 16/03, gov.uk

+

خبر عاجل

#title#