سياسات الهوية

10:2712/05/2025, الإثنين
تحديث: 13/05/2025, الثلاثاء
سليمان سيفي أوغون

للمسارات الحديثة طابع يُفضي إلى تقويض التاريخ. وقد تجلّى ذلك بأوضح صوره في الثورة الفرنسية، من خلال مبدأ المساواة. فقد كان من يرفعون هذا الشعار هم البرجوازيون، الذين كانوا يحتلون موقعًا متوسطًا في البنية الطبقية الاجتماعية، وكانوا يعظّمون قيمة المساواة في مواجهة الأرستقراطيين الذين كانوا يحتلون قمة الهرم الطبقي. وبمجرد أن طُرحت قيمة المساواة، لم يعد من الممكن حصر مسألة عدم المساواة في العلاقة بين البرجوازيين والأرستقراطيين فقط، بل كان لا بد لها أن تشمل أيضًا "الطبقات الدنيا". فمفاهيم مثل الشعب،

للمسارات الحديثة طابع يُفضي إلى تقويض التاريخ. وقد تجلّى ذلك بأوضح صوره في الثورة الفرنسية، من خلال مبدأ المساواة. فقد كان من يرفعون هذا الشعار هم البرجوازيون، الذين كانوا يحتلون موقعًا متوسطًا في البنية الطبقية الاجتماعية، وكانوا يعظّمون قيمة المساواة في مواجهة الأرستقراطيين الذين كانوا يحتلون قمة الهرم الطبقي. وبمجرد أن طُرحت قيمة المساواة، لم يعد من الممكن حصر مسألة عدم المساواة في العلاقة بين البرجوازيين والأرستقراطيين فقط، بل كان لا بد لها أن تشمل أيضًا "الطبقات الدنيا". فمفاهيم مثل الشعب، والعامة، ثم الأمة لاحقًا، كانت جميعها تُشير إلى هؤلاء "السفليين"، وتُضفي عليهم صفة الفاعلية والذاتية.

لكن المشكلة كانت تتعلق بكيفية الجمع بين المساواة والحرية، وهما المفهومان الرئيسيان اللذان عظمتهما الثورة. إذ إن الحرية كانت تُحيل حتمًا إلى الفرد. أما المساواة مع العامة، فكانت تُعيق عملية تَفَرُّد الأفراد. (وهذا هو تحديدًا ما تنتقده الأطروحات الليبرالية الكلاسيكية). إذ إن التفرّد كان يعني تمايز الأفراد عن "الوسائط العامة" التي تم إعلاؤها أخلاقيًا عبر قيم المساواة. وهذا التمايز قد يحمل في طيّاته اختلافات وصدامات تُثير استياء "الطبقات الدنيا". فالمساواة كانت تُفضي في أقصى حالاتها إلى التماثل، بينما كانت الحرية تُفضي إلى التمايز والانفصال، ما جعلهما في نهاية المطاف على طرفي نقيض.


وفي الواقع، لم تُحقق قيمة المساواة ترجمتها العملية بالشكل المأمول. فبينما تحققت بعض النجاحات السياسية والقانونية بدرجة ما، ازدادت الأمور تعقيدًا على المستوى الاقتصادي. والجميع يدرك أن ممارسات العالم الحديث أفرزت تفاوتات أعمق من السابق.


لكنني أود التوقف عند نقطة أخرى. لقد جعلت الرأسمالية أكثر من نصف الجماهير المهمشة، التي اقتُلعت من جذورها الزراعية وتُركّزت في المدن، تعمل وتنتج. فبالنسبة للرأسمالية، كانت الأمة بمثابة قوة إنتاجية واستهلاكية. وقد استغل التنظيم الاجتماعي العقلاني-الأداتي، الذي ركّز على تعظيم الأرباح، هذه الجماهير ضمن سياسات عمل واستغلال قاسية. (وقد خرجت الثورة السوفييتية لتصحيح هذا الوضع، لكنها في المقابل انتهت إلى إهدار المساواة السياسية والقانونية، بل وحتى الحريات نفسها تم سحقها بالكامل). وكان يُطلق على هذا النظام التأديبي اسم "التمدّن". وقد تناول مفكرون كسيغموند فرويد، ونوربرت إلياس، وميشيل فوكو، بإسهاب، الطابع القمعي والخانق للعمليات التي وُصفت بأنها "تمدينية".


وكان تشكيل الهوية جزءًا لا يتجزأ من هذه العملية؛ إذ كانت العوالم القديمة تقوم على روابط وانتماءات متجذرة في تقاليد راسخة. غير أن تتبُّع مسارات الهوية في تلك الأزمنة يُعد – في الحد الأدنى – مقاربةً أنكرونية تفتقر إلى التماسك. فالهُوية هي إحدى ثمار الحداثة. و"تصنيف" الأفراد والمجتمعات ضمن هويات بعينها هو انعكاس لآلية التسجيل والسيطرة التي يعتمدها النظام الرأسمالي.


وفي المنظومة الحديثة، تقتصر الهوية على "هوية المواطنة"، وهي هوية يُراد لها أن تكون باهتة ومجردة من الانتماءات الثقافية، قائمة على الحقوق والواجبات فقط. لكن سرعان ما تبيّن أن الفرار من الثقافة أمر غير ممكن. وما سمحت به الحداثة من "ثقافة" كان يتمثل فقط في الثقافات العضوية، التي أنتجتها ورفعتها فئات مثقفة بعينها. ورغم أن هذه الثقافات العضوية كانت مستمدة من ثقافات حقيقية، فإنها في نهاية المطاف كانت تمثّل انفصالًا عنها. وهكذا، أصبحت هذه الثقافات جزءًا من منظومة الهويات، تُهيمن على الأفراد وتخدم أهداف الرأسمالية في إحكام السيطرة والمراقبة والإبقاء على الأفراد والجموع ضمن بنية واحدة.


أدّت الأزمات البنيوية التي مرّ بها النظام الرأسمالي، مع مرور الزمن، إلى تقويض الهويات المتجذّرة وأيضًا تلك الهويات الهشّة أو المتغيّرة التي تتشكّل وفق الظروف. وقد شكّل أواخر الثمانينيات نقطة تحوّل، حيث بدأت هذه الأزمات تُستشعر بعمق. في تلك الفترة، شهدنا انفجارًا ثقافيًا تم كبته مسبقًا، يمكن تسميته "عودة المكبوت". بدأت تشكيلات فكرية وأيديولوجية جديدة تتسابق للكشف عن الثقافات المُقموعة على أساس النوع الاجتماعي، أو العِرق، أو الدين.

وما كان لافتًا للنظر، أن هذه الثقافات التي أُعيد استدعاؤها باعتبارها مقموعة، كانت غالبًا ذات طابع جماعي (جمعي/جماعوي). وما هو أكثر غرابة، أن هذه الجماعات التي طالما كُتمت، أُريد رفع القمع عنها من خلال حشد مفهوم "الحرية"، وهو في جوهره يرتكز على الفردانية. وبذلك، تمّ تسخير مفهوم أصيل في الفرد لصالح الجماعة. ونرى هذا جليًا خاصة في محاولات إبراز الهويات العرقية المقموعة. وهذا ما يُطلق عليه صراحة "الوطنيات الصغرى" أو "العرقيات الصغرى".


كل قومية صغرى تمثل في جوهرها رفضًا للقومية الأصلية الكبرى. لكن المشكلة كانت تكمن في أن الشكاوى من القومية كانت تتحول بدورها إلى قومية أخرى، وتُعاد صياغتها بلغتها. وباختصار، كانت "المقموعات" تلجأ إلى "لغة القامع". ورغم محاولات التلطيف الليبرالي التي سعت للتأكيد على العالم الثقافي للفرد، فإن ربط ذلك منطقياً بمفهوم الحرية لم يكن ممكنًا.


سواء أحببنا ذلك أم لا، فالفردنة تعني أن الفرد يكتسب، بدرجات متفاوتة، مسافة واستقلالية عن الجماعة التي وُلد فيها. وهذه هي الحرية. أما التوفيق بين مفهوم "الجماعة" الذي تسبح فيه التقاليد الصارمة والتراتبيات، وبين مفهوم الحرية، فهو من الناحية السوسيولوجية أمر إشكالي. لكن هذا التعارض تم التعتيم عليه، بل "أُغرق في النشوة" إن صح التعبير، ضمن حالٍ من التهييج الثقافي. ومما يثير الدهشة أن مفهوم "الهوية" هو الذي تُوّج كأداة التعبير الأبرز عن هذا الخطاب المعارض.


انفجارات الهوية هذه، بالنسبة لبعض الدوائر الفكرية التي حافظت على توازنها العقلي وسط هذه النشوة، لم تكن سوى شكل جديد من "القبلية". أما التعددية الثقافية، وأحلام "الديمقراطية الثقافية"، فقد تجلّت على أرض الواقع في صورة "بدو ما بعد الحداثة". أولئك الذين حذّروا – كأمثال "تيري إيغلتون" – من أن سياسات الهوية التي وُلدت في مقاهي باريس ومنابر جامعات كندا، ستنقلب إلى ثارات دموية في الشوارع كانوا على حق.


اللافت للنظر أيضًا هو أن الرأسمالية لم تُظهر أي انزعاج من هذه الديناميات. بل على العكس، فإن الدوائر النيوليبرالية الأناركو-رأسمالية، التي كانت تنتقد الدولة والأمة، دعمت هذه الحركات، بل أنشأت صناعتها الخاصة بها، وتولت توجيهها وإدارتها. أما أسباب ذلك فهي موضوع يستحق مقالًا منفصلًا.


إن عوالمنا الثقافية الحقيقية هشة للغاية، ولا تقبل التدخل، مهما كانت النوايا. لقد تعاملت الحداثة بخشونة شديدة مع هذه العوالم. وما يجعل الثقافة حقيقية وأصيلة هو ألا تكون محمّلة بهويات مفروضة. فهي حالات قائمة بذاتها، تُعاش دون وعي بها، وتدور في دورتها الخاصة. لكن حين تصبح هذه الحالات موضوعًا للوعي – وخاصة بفعل دوافع سياسية – وتتحول إلى "حالات لذاتها"، حينها يخرج الزمن عن مساره.


حين تصبح الثقافة موضوعًا للوعي والتحليل، تفقد عفويتها وصدقها، وتتحول إلى حالة مصطنعة. أما التجليات الثقافية الأصيلة في عالمنا المعاصر، فهي لا تتموضع في مركز النزاعات الثقافية الدائرة، بل تنبثق في هوامش هذه الصراعات، حيث تنجح – دون قصد – في احتواء أطرافها المتصارعة ضمن فضاء مشترك.

#الفردية
#الجماعة
#الرأسمالية
#الوعي
#الهويات السياسية