الظلال الطويلة في لبنان - طه كلينتش

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

أعلنت الحكومة اللبنانية مجموعة من الإصلاحات كرد على مطالب المتظاهرين الذين ينظمون احتجاحات في الشوراع منذ أيام، وهي الإصلاحات التي أعلنها رئيس الوزراء سعد الحريري في مؤتمر صحفي بثته القنوات التلفزيونية على الهواء مباشرة وتضمنت بنودا مثل تخفيض رواتب كوادر الحكومة وكبار المسؤولين ونواب البرلمان للنصف، وخلو ميزانية عام ٢٠٢٠ من أي ضرائب جديدة، وإلغاء وزارة الإعلام، وتقديم القروض للطبقات للمعدمة، والدعم الاقتصادي لقطاع المقاولات وغير ذلك. وقد أوضح الحريري، بكل فخر واعتزاز، أن الإصلاحات التي عرضتها حكومته لم تقم بها أي حكومة أخرى في تاريخ لبنان، كما وصف حزمة الإصلاحات هذه بـ"الثورة الاقتصادية".

لقد كان من بين المحتجين الذين اكتظت بهم شوارع كل المدن اللبنانية وفي مقدمتها العاصمة بيروت وطرابلس وصيدا أشخاص من كل التيارات والتوجهات. ولهذا لا يمكن حصر التظاهرات على تيار بعينه، وهو ما كان سببا في اختلاف مطالب المتظاهرين وتضاربها مع بعضها بعض. وعلى سبيل المثال فقد جاءت الأهداف التي سردها المتظاهرون عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي التي أعلنوا من خلالها احتجاجاهم للعالم على النحو التالي: "فصل الدين تماما عن السياسة، إقامة دولة علمانية، القضاء على الكيانات المذهبية، تأسيس دولة جديدة تكون فيها المواطنة هي الأساس المشترك بين الجميع، حقوق المرأة، حقوق المثليين والمتحولين جنسيا (LGBT)، خفض الضرائب، تقديم خدمة الكهرباء دون انقطاع على مدار الساعة، توفير مياه صالحة للشرب، القضاء على جبال القمامة، القضاء على التفرقة، القضاء على الفقر..."

لا ريب أنه من المستحيل تلبية كل هذه المطالب بين ليلة وضحاها في بلد يمتلك تجربة حرب أهلية مريرة (1975 – 1990) ويعيش به أتباع 18 دينا ومذهبا متباينا في مساحة ضيقة من الأرض. وأعتقد أن الأمر ليس متعلقا بلبنان وحده، بل وبأي دولة من دول الشرق الأوسط، بل وحتى أي دولة حول العالم. ولهذا ينبغي للمتظاهرين أن يعوا هذا الأمر جيدا. وكما رأينا في المظاهر التي عكستها حشود اللبنانيين في الشوارع، فإنها كانت تشبه الكرنفالات الاحتفالية.

**

خضع لبنان للانتداب الفرنسي عقب انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ولم يستقل إلا عام 1943 عندما توصل كل من القائد الماروني الكاثوليكي بشارة الخوري والسياسي المسلم السني رياض الصلح لاتفاق ينص على اختيار رؤساء لبنان من طائفة المارونيين المسيحيين، واختيار رؤساء الوزراء من المسلمين السنة، واختيار رؤساء البرلمان من المسلمين الشيعة. وكان أساس تقسيم الأدوار هذا وفق تعداد السكان الذي أجراه الفرنسيون عام 1932. ولقد كان هذا التوازن حساسا لدرجة أن لبنان لم يشهد أي إحصاء لتعداد السكان منذ ذلك التاريخ. ولا يزال الهيكل السياسي للدولة يسير على النحو ذاته حتى يومنا هذا. لكن لا يخفى على أحد اليوم أن هذا الكيان بدأ يتصدع.

ولقد أولت إيران اهتماما خاصا بلبنان عقب الثورة الإسلامية عام 1979 وأصبحت عنصرا أساسيا من عناصر السياسة في لبنان منذ ذلك التاريخ من خلال تنظيم حزب الله التي تحمَّل على عاتقه "مهمة حماية لبنان ضد الهجمات الإسرائيلية"، وهي المهمة التي دفع اللبنانيون ثمنها في صورة نفوذ إيران بشكل عميق في كل مفاصل الدولة اللبنانية. وبهذه الطريقة تم تخفيض احتمالية تدخل الغرب في شؤون لبنان من خلال المسيحيين والدول العربية من خلال المسلمين إلى مستوى محدود للغاية. كما أصبح أي قرار متعلق بلبنان مرتبطا بشرط التفاوض مع إيران. أضف إلى ذلك أن العلاقة التقليدية التي أقامتها السعودية مع لبنان بواسطة عائلة الحريري تعرضت للانقطاع بسبب التوتر الذي تعيشه الرياض مع طهران. ولقد أقدم السعوديون على ارتكاب فضائح دبلوماسية لا يمكن أن يستوعبها عقل بشر، والتي كان من بينها استدعاء الحريري إلى الرياض عام 2017 وتوجيه صفعة له على وجهه (بصورة جسدية وليست معنوية) ثم إجباره على الظهور على شاشات التلفاز وتقديم استقالته، وهو ما أضعف فرصهم في بسط نفوذهم على السياسة اللبنانية.

لقد رأت إدارة طهران خلال التظاهرات التي شهدتها لبنان أن العبء الذي حمّله حزب الله على لبنان أفضى إلى سخط الشعب اللبناني، لتقدم على خطوة مثيرة عندما أصدرت بيانا رسميا للمرة الأولى حول الأحداث دعا فيه وزير خارجيتها جواد ظريف حكومة بيروت إلى ضرورة أخذ مطالب الشعب على محمل الجد. ولقد كانت هذه الخطوة ملفتة لانتباه بالنسبة لعقلية الدولة الإيرانية التي تميل عادة لوصف التظاهرات الشعبية بـ"مخطط القوى الخارجية"، وهي الخطوة التي برهنت على أن طهران بدأت تلاحظ أن لبنان صار على صفيح ساخن.

**

ربما يكون لبنان بلدا صغيرا من حيث المساحة، لكن الظلال المسدولة عليه طويلة للغاية. فنحن نتحدث هنا عن دولة لم تستقل أبدا بكل ما تحمل كلمة استقلال من معان منذ عام 1943 الذي صُمم به "فسيفساء الشرق الأوسط". ففي لبنان، البلد الذي تنشط به بين الحين والآخر دول مختلفة سواء من الشرق الأوسط أو خارج المنطقة، يكابد المواطن العادي للبقاء على قيد الحياة من جهة، كما أنها يجاهد من جهة أخرى ليدفع ثمن ما فرضته عليه تلك الدول. ويبدو أن اللبنانيين هم أفضل من يمكنهم أن يعلموا التداعيات السلبية التي تتضمنها كلمة فسيفساء التي وصفنا بها بلدهم.

+

خبر عاجل

#title#