ثروة الغنوشي - طه كلينتش

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

نشر موقع قناة العربية الممولة سعوديًّا والتي تتخذ من دبي مقرًّا لها، تقريرًا مطولًا عن رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي. هذا التقرير الذي يمكن فهم محتواه من عنوانه "ثروة الغنوشي"، يستند في معلوماته على أشخاص لم يسمع أحد باسمهم من قبل، كما يتضمن في أكثر من موضع عبارات من قبيل "ردة فعل واسعة من قبل التونسيين" وما شابه، ويدور التقرير بشكل مختصر حول أن راشد الغنوشي الذي لا يمتلك دخلًا ثابتًا ولا أي نشاط اقتصادي ما، تمكن من الحصول على ثروة هائلة "فلكية"، بعد عودته إلى تونس عام 2011 ووصول حزبه "حركة النهضة" إلى السلطة. كما زعم التقرير أيضًا أن هناك احتمال لاستغلال صهر الغنوشي، رفيق عبد السلام للعلاقة مع الصين حينما كان وزيرًا للخارجية، مشيرًا إلى سيارات من آخر طراز يمتلكها الغنوشي، فضلًا عن حسابات بنكية هائلة، وقصور وحياة فاخرة، حسب زعم التقرير.

وبعد العربية، راحت قناة الغد التي تتخذ من مصر مركزًا لها، لتنسج على ذات النسق مدعية أن التونسيين يطالبون بالكشف عن هذه الثروة، محاولة -أي القناة- نقل القضية إلى مستوى أعلى. حيث خرج مراسل مبتدئ للقناة من تونس خلال تغطية رئيسية، ليقول "هناك ردود فعل كبيرة من قبل التونسيين في الشارع وفي مواقع التواصل الاجتماعي ضد الغنوشي". بل إنه أضاف على ذلك "أن ثروة الغنوشي التي وصلت إلى مليارات الدولارات أدت إلى حدوث حالة غضب كبير بين الأحزاب السياسية هناك. كما أن هناك مطالبات برلمانية لفتح تحقيق حول ذلك، وتحقيق خاص حول علاقات الغنوشي بكل من تركيا وقطر، وحول المكاسب التي يتلقاها من هذين البلدين، ولا سيما على صعيد موقفه المنحاز لتركيا في الملف الليبي".

ملاحظة هامة: قناة الغد التي تبث من القاهرة ولندن، هي مدعومة من قبل الإمارات بشكل مباشر، وقد أسسها محمد دحلان ذاته. يشتهر دحلان بلقب "أمير الظلام" في ممرات الشرق الأوسط، وهو الممثل الرسمي الذي يقف وراء العديد من العمليات القذرة في المنطقة. دحلان الذي يعتبر المرشح المفضل بالنسبة لإسرائيل بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قد دعم محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا 15 تموز/يوليو 2016، وقد أراد أن يكون له موقع من خلالها. وفي الواقع كانت أول مقابلة لزعيم منظمة غولن الإرهابية التي تقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، فتح الله غولن، على قناة الغد التي أسسها دحلان، وقد تحدث خلال المقابلة عن حرب أهلية تنجر لها تركيا، داعيًا الغرب للتدخل.

لم تتأخر حركة النهضة لتنشر بيانًا مضادًا على هذه الحملة الإعلامية المنظمة التي تستهدف الغنوشي، حيث نشرت الحركة بيانًا حول ثروة راشد الغنوشي، قالت فيه أنها نشرت وثيقة عن ثروة راشد الغنوشي؛ "وأنه لا يمتلك حسابات بنكية خارج تونس، وكل ما يمتلكه من حسابات بنكية يعادل 18 ألف دولار فقط، وسيارة من طراز "كيا"، ومنزلًا بسيطًا خارج العاصمة تونس من طابقين، (للملاحظة؛ لقد زرت هذا البيت عام 2016 وهو بيت له حديقة عادية وأشهد على تواضعه وليس فيه أي جانب من الفخامة أو الثراء). وما سوى ذلك، فإنه لا يمتلك أي شراكة أو أسهم في أي شركة سواء في تونس أو خارجها، كما أنه ليس هناك أي حوالة بنكية من خارج تونس أو أي نشاط اقتصادي مماثل".

تمامًا كما تحدث الغنوشي عن مواجهة الحقيقة حتى آخر رمق للأكاذيب التي تلف العالم، فإن الأخبار الزائفة حوله التي تروج لها كل من وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية والمصرية، لا تمل عن مهنة الكذب وتشويه الحقائق. والأمر ذاته ينطبق على ذبابهم الإلكتروني بمواقع التواصل.

حملة التشويه الظلامية التي تستهدف الغنوشي الآن، لا تختلف في الحقيقة عن حملات التشويه التي طالت الرئيس المصري الراحل محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين عام 2013 والتي استمرت حتى وقوع الانقلاب عليه، ومصدرها كما الآن من إعلام السعودية والإمارات. تلك الافتراءات والأكاذيب التي كانت تسوقها العربية ومن جرى على منوالها ضد مرسي والإخوان، هي نفسها اليوم تستمر باحثة عمن يشتريها في العديد من البلدان من بينها تركيا.

هناك الكثير من المغفلين الذين يرددون عبارة "هذا مرسي الذي تدافعون عنه"، لا يدركون أنهم مجرد طعم لسياسة البغض والعداء التي تشعلها الإمارات والسعودية، وأنهم عبارة عن مرددين لتلك الأكاذيب بقصد أو بدونه.

إن راشد الغنوشي الذي ظل منفيًّا عن وطنه طيلة 20 عامًا، لم يتمكن من العودة إليه إلا في العام 2011، وحينها تمكن من تأسيس حزبه "حركة النهضة" والذي دخل الانتخابات بقوة ليفوز بها ويصل للسلطة. إلا أنه في عام 2013 وتزامنًا مع الاستعدادات التي كانت تجري للانقلاب في مصر، بدأت حوادث تفجير واغتيال شخصيات سياسية في تونس، حينها أدرك الغنوشي خطورة الأمر مما دفعه لإعلان انتخابات مبكرة في البلاد.

إن عقلية "محاربة الإسلام السياسي" التي تسير بها كل من السعودية والإمارات ومصر، تريد الآن بشكل واضح إثارة الفوضى في تونس واستهداف حركة النهضة بشكل مباشر من أجل إبعادها عن السلطة. وإن هذه المرحلة يجب أخذ الحيطة والحذر فيها في تونس إلى أبعد حد، لا سيما على صعيد سلامة وأمن حياة الغنوشي.

+

خبر عاجل

#title#