من القدس إلى عكا ... - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

في وقت مبكر من صباح يوم الخميس غادرنا القدس وتوجهنا نحو تل أبيب.. ومن هناك كان مخططنا الاتجاه شمالًا، حيث كان هدفنا الوصول إلى عكا والتوقف عند المدن التي يعيش فيها السكان العرب داخل حدود إسرائيل، التي يطلق عليها "عرب 1948".

ومن تل أبيب، وبينما كنا نواصل السير على خط نتانيا - قيسارية - زخرون يعكوف على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، كان سائقنا القادم من القدس يقول لنا "هذه قرى عربية، احتلوها عام 1948 وطردوا أهلها".. لقد مررنا أيضًا في مدن لا يزال السكان العرب يعيشون فيها.. وبعد اجتياز زخرون يعكوف، التي يعود تأسيسها إلى عام 1882 والتي أنشأها الصهيوني الفرنسي البارون "بنيامين إدموند دي روتشيلد"، جذب انتباهنا الأراضي الواسعة الفارغة.. كان يمكنهم بناء المستوطنات هنا، لكنهم لا يزالون يفضلون الضفة الغربية والقدس الشرقية، لأن "هذه الأماكن هنا مضمونة" بحسب ما قاله لنا السائق.

وبعد رحلة استغرقت حوالي ساعتين، وصلنا إلى مدينة حيفا التي تقع على دائرة عرض 32.49 شمالًا وخط طول 35 شرقًا وهي نقطة التقاء البحر المتوسط بكل من السهل وجبل الكرمل، وهذا جعلها نقطة عبور إجبارية، إذ يقل اتساع السهل الساحلي عن 200 متر، وترتفع عن سطح البحر بمعدل 450 م. كما أن موقعها جعل منها ميناء بحريًا من أهم الموانئ في شرق البحر الأبيض المتوسط. كما جعل منها بوابة للمنطقة عبر البحر المتوسط، وهي ذات أهمية تجارية وعسكرية طوال فترة تاريخها، ولهذا تعرضت إلى الأطماع الاستعمارية بدءًا من الغزو الصليبي وحتى تاريخ النكبة.

لم يكن في حيفا عدد كبير من السكان اليهود حتى بداية القرن العشرين، لكنها فيما بعد شهدت هجرة قوية وشديدة.. وقبيل إعلان إنشاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، وقعت العديد من المجازر والأنشطة الإرهابية ضد السكان العرب هناك.. ومن أهم هذه الحوادث والمجازر التي شهدتها، تلك التي وقعت ليلة 31 كانون الأول/ ديسمبر عام 1947 وتم تسجيلها على أنها "مذبحة بلد الشيخ".. نفذت هذه المذبحة عصابة صهيونية تدعى "الهاغاناه"، وقد أدت المذبحة إلى مصرع العديد من النساء والأطفال وكانت حصيلة المذبحة نحو 70 شهيد، وجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية.. وتسبب الخوف والذعر اللذان خلفتهما المجزرة في إخلاء السكان للعديد من القرى العربية المجاورة.

تعتبر مدينة حيفا أيضًا مركزًا مهمًا جدًا للديانة "البهائية"، التي يتبعها ما يقرب من 8 ملايين شخص في جميع أنحاء العالم.. كما يوجد في حيفا قبر "ميرزا علي محمد باب" (1819-1850)، سلف البهائيين. واستقر في فلسطين أيضا تحت إشراف وسيطرة إنجلترا، "بهالله" (1817-1892) وابنه "عبد البها" (1844-1921) وحفيد عبد البها، "شوقي أفندي" (1897-1957)، الذين جعلوا ديانة "الباب" دينًا مستقلًا.

ولعل الأمر الأبرز والمثير للجدل هنا هو أن أصل جميع هذه الأسماء إيراني.. ومن الواجب فحص وتدقيق ودراسة هذه المعتقدات والأديان التي حاولت بريطانيا زراعتها في الجغرافيا الإسلامية...

وقرب حيفا تأتي مدينة عكا التاريخية، التي تقع على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وتبعد عن القدس حوالي 181 كم إلى الشمال الغربي. وتبلغ مساحتها 13.5 كم2، وحتى اليوم حافظت عكا على مكانتها كحصن قوي.

عانت عكا من مصاعب لا حصر لها طوال تاريخها الطويل، ولا تزال بعض تلك المصاعب في ذاكرتنا، لاسيما تلك التي كانت في عهد القائد العثماني الشهير: أحمد باشا الجزار (1720-1804).. حيث لا زالنا نتذكر جميعا المقاومة الأسطورية لأحمد باشا الجزار، ضد نابليون وجيشه في عام 1799. إن المسجد ذو القبة الخضراء الموجود في وسط عكا والمجمع الاجتماعي المحيط به يحملان آثار العمارة العثمانية الكلاسيكية.. لكن للأسف، لم يتم تنظيم محيط المسجد بطريقة تليق بمكان عبادة.

أحدث الاحتلال الإسرائيلي، الذي تعمد تقسيم الفلسطينيين إلى أربعة أجزاء منفصلة (القدس والضفة الغربية وغزة والعرب داخل إسرائيل)، فوضى عارمة في مدينة عكا.. لقد أتيحت لنا الفرصة لنلاحظ بألم "الفرق" الذي أحدثته إسرائيل على مدى السنوات في عكا.. لقد لاحظنا وجود العديد من الناس التي نست الغرض الأساسي من حياتها مقابل الجنسية والراحة التي مُنحت لهم.. وقد أصبح هذا "الفرق" أكثر وضوحا عندما قارنا القدس بعكا.

وفي طريق العودة، فضلنا الطريق السريع، بدلًا من الطريق الساحلي، لكي نتمكن من رؤية المدن العربية من الداخل.. وفي هذه الأثناء واجهنا حقيقة مرة أخرى أحدثها الاحتلال: المدن العربية مفصولة عن بعضها البعض بـ "جدار العار" الذي أقيم على طول حدود الضفة الغربية..

وأثناء رحلتنا، هاجم جنود الاحتلال المسجد الأقصى مرة أخرى، وحولوا كل شيء إلى منطقة حرب.. وعندما عدنا إلى القدس مساءً، كان اليهود يواصلون احتفالاتهم بـ "عيد الاستقلال"، بينما كان المسلمون منشغلين بتضميد جراحهم التي وقعت أثناء الصباح.

كل ما رأيناه وعشناه وسمعنا به خلال هذا اليوم، كان بمثابة ملخص استرجعنا فيه بسرعة المشاكل الرئيسية في الشرق الأوسط..

+

خبر عاجل

#title#