
انهار تنظيم قسد/واي بي جي الإرهابي في فترة قصيرة جدًا. حملات العلاقات العامة والصور المبالغ فيها عن قوته اصطدمت ببرودة الواقع الميداني فتبددت سريعًا. المشروع الإمبريالي الذي استهدف تقسيم سوريا، وإقامة كيان إرهابي يمتد إلى البحر المتوسط لتأمين أمن إسرائيل، أُلقي به في سلة المهملات.
صحيح أن المنطقة تبقى دائمًا حبلى بالمفاجآت، لكن لا بد من التأكيد على حقيقة أساسية: دعم أنقرة لتغيير النظام في دمشق وتمكينه شكّل حركة «كش ملك» في وجه الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين حاولوا خلط الأوراق. لقد تغيّر اتجاه التاريخ لمصلحة تركيا (وهذا لا يعني أن أطرافًا أخرى لن تحاول مجددًا تغيير المسار).
أنقرة على اطلاع كامل بكل التفاصيل
تربط أنقرة ودمشق قناة حوار وثيقة. لم ينقطع التواصل قبل العملية ضد تنظيم قسد/واي بي جي ولا أثناءها. وكانت تركيا، الداعم القوي لأحمد الشرع، مطّلعة على جميع تفاصيل التخطيط. كيف نعرف ذلك؟ لأننا كتبنا سابقًا أن عدم التزام تنظيم قسد/واي بي جي باتفاق 10 آذار سيؤدي إلى تحرك حكومة دمشق والعشائر العربية ، وأن التنظيم سينحصر بين الحسكة والقامشلي في رقعة ضيقة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة ، وأن عدم الالتزام بالاتفاق رغم التدخل الأول في حلب سيُفضي إلى تدخل شامل.
لم تكن هذه نبوءات، بل معلومات من مصادر في أنقرة، وقد تحققت جميعها. فمنذ بداية العملية وحتى نهايتها، تحركت وزارتا الخارجية والدفاع وجهاز الاستخبارات التركي بتنسيق رفيع المستوى وقدّمت دعمًا مباشرًا لدمشق. بل إن جهاز الاستخبارات التركي أدار على الأرض تنسيقًا مكثفًا لتجنّب إلحاق الأذى بالمدنيين، وحتى بعائلات عناصر تنظيم بي كا كا المنسحبين.
الشرع يثبت قيادته
ينبغي تحليل هذا التحول التاريخي بدقة: تحقق مكسب بالغ الأهمية على صعيد وحدة الأراضي السورية. وسيجري دمج عناصر تنظيم قسد/واي بي جي في الدولة «بصفتهم الفردية».
حاولت إسرائيل خلق «سابقة» عبر تحريض بعض المجموعات الدرزية في السويداء، فجاء ردّ دمشق ليصنع «سابقة مضادة» تُضعف النزعات الانفصالية وتعزز يد الدولة في السويداء. ستتدفق عائدات النفط السورية إلى خزينة دمشق، وهو عنصر حاسم في مسار إعادة الإعمار.
أثبت الرئيس السوري أحمد الشرع أنه قائد عقلاني يتمتع بذكاء استراتيجي، راعى التوازنات، وتجنب الإفراط، وأصدر مرسومًا خاصًا بحقوق الأكراد. ومن شأن ذلك أن ينعكس دعمًا واعتبارًا دوليين.
تبيّن أن الرؤيتين الإقليمية لواشنطن وأنقرة متقاربتان إلى حد كبير. وتقول المصادر إن توماس باراك نصح فرهاد عبدي شاهين في أربيل بقوله: «اقبل بالواقع القائم، وسنحاول نحن أن نفعل ما بوسعنا».
أصيبت ميليشيات النظام السابق التي حاولت إثارة الفوضى بالإحباط (توقع تحركات قريبة في حماة وحمص).
والأهم من كل ذلك: بات نفوذ قنديل أضعف من أي وقت مضى. وسأعود إلى هذه النقطة بعد التوقف عند خطرين داهمين.
تعمق تراجع إسرائيل
أولًا، بددت هذه العملية حلم إسرائيل بما يُسمى «ممر داود». ويكفي التذكير برد الفعل الأميركي على اعتراض إسرائيل على «مجلس سلام غزة»، حين قيل لنتنياهو بوضوح: «ليعتنِ بشؤونه». إن التراجع الإقليمي لإسرائيل يتعمّق، وقد تلجأ إلى الاستفزاز.
ثانيًا، بعد أن تُحكم دمشق سيطرتها على المناطق التي استعادتْها، ستتجه الأنظار إلى السويداء، وهو ما قد يفضي إلى أزمة مع إسرائيل. ومن هنا تتزايد أهمية المفاوضات السورية–الإسرائيلية التي جرت في باريس بوساطة أميركية.
قنديل بين سوريا وإيران
إن مسار «تركيا بلا إرهاب» كان مرتبطًا مباشرة بما جرى في سوريا. فإقرار تشريعات في البرلمان التركي كان يتطلب نزع سلاح العناصر الإرهابية في سوريا أيضًا. ورغم إعلان تنظيم بي كا كا الإرهابي حلّ نفسه، فإنه لم يُسلّم سلاحه، بل ماطل وطرح مطالب قصوى، من الإفراج عن إمرالي إلى السماح لقياداته بممارسة السياسة داخل تركيا.
كانت قنديل تترقب أمرين: ما طبيعة التعديلات القانونية؟ وماذا ينتظر العناصر العائدين بعد تسليم سلاحهم؟
ماذا سيجري في سوريا؟ وهل سيتمكن تنظيم قسد/واي بي جي، بدعم إسرائيلي، من فرض مشروع الفيدرالية؟
لقد كان تنظيم قسد/واي بي جي بمثابة «صمام أمان» لقنديل، ولهذا جاء أمر الاشتباك في حلب مباشرة منها. وهناك عامل ثالث دفع قنديل إلى التريث، هو التحضير الأميركي للتدخل في إيران؛ ففي حزيران الماضي، خلال «حرب الاثني عشر يومًا»، جرى تسليح جناح تنظيم بي كا كا في إيران من قبل إسرائيل.
هذا السلوك أفضى إلى أزمة ثقة، وكشف أن إمرالي لا يسيطر بالكامل على قنديل. ومع ذلك، فإن الفرصة اليوم كبيرة: أنشأت تركيا منطقة عازلة في العراق، وتم التفاهم مع بغداد، و«حوصرت قنديل». سقط الذراع السوري للتنظيم، وضاقت ساحة المناورة.
على تنظيم بي كا كا أن يدرك أن النظام الإقليمي الجديد لا مكان فيه للتنظيمات الإرهابية، وأن ينفذ مقتضيات نداء 27 شباط سريعًا وبشكل كامل. لا أحد يرغب في البديل، لكن ما حدث في سوريا يبيّن بوضوح ما الذي ينتظر من يختار المماطلة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة