
تعارض تركيا أي هجوم محتمل على إيران، انطلاقًا من قناعتها بأنه سيُحدث حالة خطيرة من عدم الاستقرار في المنطقة. وتبذل أنقرة جهودًا دبلوماسية مكثفة لإدارة الأزمة واحتوائها. فبعد لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاءت اتصالات وزير الخارجية هاكان فيدان مع نظرائه الإيرانيين تباعًا (ومن المقرر أن يزور وزير الخارجية الإيراني تركيا اليوم).
وفي الكواليس، يجري حاليًا حراك دبلوماسي كثيف. لكن ما الذي يحدث بالضبط؟ وما الرسائل التي توجهها أنقرة إلى كل من واشنطن وطهران؟ وماذا تنتظر الولايات المتحدة من تركيا؟ سأحاول تحليل هذه العناوين، لكن قبل ذلك لا بد من التوقف عند بعض النقاط الأساسية.
كانت الولايات المتحدة قد استهدفت المنشآت النووية الإيرانية خلال ما عُرف بـ«حرب الأيام الاثني عشر» (يونيو/حزيران 2025). ورغم تأكيد ترامب آنذاك أنه «قضى على القدرة النووية إلى الأبد»، فإن كلاً من وكالة الاستخبارات المركزيةوالموساد لم يشاركا هذا التقييم.
فبحسب الموساد، «لم يُلغ البرنامج النووي، بل جرى تأخيره عامًا واحدًا فقط». ولم يبق على انقضاء هذا العام سوى نحو خمسة أشهر. وفي حال عدم التوصل إلى تسوية مع إيران، من المعروف أن واشنطن وتل أبيب تتجهان لإعادة استهداف إيران قبل حلول يونيو/حزيران 2026.
ربما أسبوع وربما عشرة أيام
عاد بنيامين نتنياهو من لقائه في البيت الأبيض في 29 ديسمبر/كانون الأول خالي الوفاض فيما يخص ملفي سوريا وغزة، لكنه يتقاطع مع ترامب تمامًا في الملف الإيراني. وفي خضم ذلك، فاجأت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت داخل إيران الولايات المتحدة. وسعى ترامب إلى استثمار هذه التطورات وتوظيفها لتبرير هجوم على إيران، حتى إنه كان يخطط لتنفيذ ضربة مساء الأربعاء 14 يناير/كانون الثاني، لكنه تراجع بسبب ضعف الجاهزية العملياتية للجيش الأميركي في المنطقة.
وكان لجهود دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، دور في هذا التراجع. بل يُقال إن إسرائيل نفسها اتخذت موقفًا مماثلًا، بعدما استهلكت نحو 70% من قدرات منظوماتها للدفاع الجوي خلال حرب الأيام الاثني عشر، ولم تتمكن من تعويضها.
ورغم تأجيل الهجوم، لم يتخل ترامب عن هدفه. إذ تشير معلومات استخباراتية لديه إلى أن إيران باتت أضعف من أي وقت مضى بسبب الاحتجاجات الداخلية والتوترات المتصاعدة. كما أن موعد يونيو/حزيران 2026 يقترب. وفيما يُبقي التوتر في أعلى مستوياته، يجري في الوقت نفسه حشدًا عسكريًا واسعًا؛ إذ جرى نشر حاملات طائرات وأسراب هجومية في المنطقة. ويُقال إن نشر منظومات الدفاع الجوي قد يستغرق أسبوعًا أو عشرة أيام. وعلى الأرجح، سيبدأ «العد التنازلي» بعد اكتمال هذا الانتشار.
ماذا يريد ترامب تحديدًا في إيران؟
في مساء 14 يناير/كانون الثاني، كان الحديث في أنقرة يدور حول أن الولايات المتحدة «ستتجاوز خيار الهجوم» في تلك المرحلة. وكانت التقديرات تشير إلى أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، وأن قوى المعارضة تعاني أزمة قيادة، لكن «نموذج فنزويلا» كان يثير شهية ترامب.
ووفق هذه القراءة، قد يحاول تنفيذ سيناريو مشابه في إيران، عبر استهداف القيادة الدينية، وكبار قادة الحرس الثوري، إلى جانب المنشآت النووية وقدرات الصواريخ. وتُظهر التطورات أن القراءة التركية كانت في محلها؛ إذ بدأ الإعلام الغربي يتحدث صراحة عن «نموذج فنزويلا». أما التحليل الأحدث الذي سمعته في أنقرة فيتلخص في أن الولايات المتحدة تنتهج حاليًا سياسة ردع تجاه إيران، ولديها أربعة مطالب أساسية:
تدمير اليورانيوم المخصب، تفكيك الصواريخ الباليستية، وقف دعم القوى الوكيلة، خصوصًا في العراق وسوريا، الكف عن تشكيل تهديد لإسرائيل. وإذا لم تقبل طهران بهذه الشروط، فستُستهدف عسكريًا.
رسائل أنقرة إلى طهران وواشنطن
عند التمعن في التصريحات الرسمية، تتضح رسائل محددة توجهها أنقرة إلى الطرفين.
الرسالة إلى إيران واضحة:
أولًا، التفاوض مع الولايات المتحدة لمنع تفاقم الأزمة وحل الملف النووي.
ثانيًا، إصلاح العلاقات مع دول المنطقة.
أما الرسائل الموجهة إلى الولايات المتحدة فتكمن في تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان. فتركيا تقول لواشنطن: «لا تحوّلوا هذا الملف إلى فنزويلا ثانية». وتؤكد أن إيران مستعدة للتفاوض (26 يناير/كانون الثاني). كما تقترح خريطة طريق لشكل المفاوضات: «أغلقوا الملفات واحدًا تلو الآخر. ابدأوا بالملف النووي وأغلقوه، ثم انتقلوا إلى غيره…» (28 يناير/كانون الثاني).
ويبدو أن مقاربة أنقرة القائمة على «فصل الملفات» بدأت تجد صدى. فقد لمح ترامب إلى ذلك في آخر تصريحاته المتشددة بشأن إيران حين قال: «آمل أن تأتي إيران سريعًا إلى طاولة المفاوضات. لا مكان للسلاح النووي». أي إنه فصل الملف النووي عن سواه، وأشار إلى أن اتفاقًا في هذا الشأن قد يوقف الأزمة.
ملاحظة جانبية: أعتقد أن الولايات المتحدة ستقرأ نيات إيران أيضًا من خلال التطورات في العراق؛ فإذا لم يتخل المالكي عن رئاسة الحكومة، فقد يُفسر ذلك في واشنطن على أنه «إيران لا تتراجع».
ماذا تنتظر واشنطن من أنقرة؟
من خلال قراءاتي، يمكن تلخيص توقعات واشنطن من تركيا في ثلاث نقاط:
أولًا، يريدون من تركيا أن تشجع إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ثانيًا، يتوقعون منها أن تلتزم الحياد في حال وقوع هجوم محتمل.
ثالثًا، خلال «حرب الأيام الاثني عشر» استُخدم المجالان الجويان السوري والعراقي. أما اليوم، فقد أصبحت تركيا فاعلة بقوة ـ برًا وجوًا ـ في سوريا، وهم يريدون ألا يشكل هذا الواقع عائقًا أمامهم.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة