"إنطاق" القرآن بدلًا من "الاستماع له" - ياسين اكتاي

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

"إنطاق" القرآن بدلًا من "الاستماع له"

كنا قد تحدثنا عن خاصية موقف المؤمن من القرآن الكريم. ولا يصعب على أحد أن يفهم أن هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن وجهة النظر الأكاديمية المجردة التي تتناول القرآن.

تظهر أحيانًا رغبة عارمة في قراءة القرآن بأسلوب مبدع يلبي احتياجات عصرنا. فهذا من طبيعة وجهة النظر الأكاديمية، البحث عما هو مثالي، فهو يريد أن يفعل ما لم يفعله أحد ويقول ما لم يقله أحد ويرى ما لم يره أحد، وإذا عجز عن رؤيته فإنه يريد أن يختلقه. وبينما هو كذلك فإن هناك احتمال كبير ألا يعلم الأكاديمي نفسه ما الذي يبحث عنه تحت تأثير ما وصفه المرحوم حسان الدين أرسلان بـ"الجماعة المعرفية". ذلك أن الجماعات المعرفة لديها أيدولوجيات ذاتية. فلو لم يبدأ المرء يتأمل ويتفكر ويحاسب نفسه وفشل في تحقيق الانعكاس الذاتي بتأويلات جديدة، فإنه يعجز كذلك عن ملاحظة هذه الأيدولوجيات التي سلطت عليه. فهو يعتقد أنه شخص موضوعي وقد فهم كل الأمور العلمية، كما يظن أن المعرفة الضئيلة التي اعتقد أنه وصل إليها معرفة كلية، وحينها ربما يبدأ بإطلاق الأحكام. فهذه هي تاريخية الإنسان. فالمرء نفسه يكون عاجزا بهذا النوع من أيدولوجيات الجماعات العادية أو المعرفية التي لا يدركها حتى في معظم الأحيان.

ويسوق الفيلسوف الهولندي سبينوزا مجموعة من التشبيهات الرائعة بشأن طبقات معرفتنا المتعلقة بالمعرفة الكلية بصفتها كائنا حيا. فماذا يمكن أن تكون أبعاد الكون الكلي بالنسبة لدودة ضئيلة؟ وماذا عن الشريان الذي تتواجد به؟ وماذا يمكن أن يكون الكل بالنسبة لذلك الشريان؟ وهكذا يمكننا أن نختبر إدراكنا ومعرفتنا بشأن الكل عن طريق تكبير الأكوان أضعافا مضاعفة.

لا شك أن الحدود والأبعاد مختلفة للغاية بالنسبة للإنسان الذي تكون لديه طرق للوصول إلى الكل عن طريق عقد مقارنات بشأن الأمور التي يجهلها، بالضبط كعجزنا عن الوصول إلى معلومات مؤكدة حول فناء معرفتنا مهما عملنا من معلومات عن موقع تلك الدودة الضئيلة داخل الشريان.

دائما ما يكون لدينا أحكام معرفة وفهم مسبق بشأن النص الذي نقرأه سواء شئنا أم أبينا. وكلما أمعنا في القراءة ربما تتغير أحكامنا المسبقة هذه وتتبدل، لكنها لا تتبدد أبدا، فيما تتغير معرفتنا المسبقة وربما تصحح وتزيد. وأما فهمنا المسبق فإنه يصطدم بالدائرة التفسيرية التي تتحقق خلال المدة التي نقابلها في النص، فيأخذ هذا الفهم بالتغير والتحول والضيق أو الاتساع داخل هذه الدائرة.

إن هذا النص الذي أمامنا هو القرآن، وأما المعرفة الأساسية التي تحدد فهمنا المسبق بشأن هي التي تحدد كذلك كيف سنقرأه. فهو كلام الخالق الذي يعرف كل شيء بشكل مطلق ويعلمنا ما لم نكن نعلم ونعجز عن تصور كيانه. ولا يمكننا أن نقرر ما سنسمع من خالق نخاطبه ونحن ننزهه عن كل مخلوق نعرفه. فنحن نستمع إلى كلامه بآذان أرواحنا ونحاول أن نرى آياته بأعين قلوبنا.

ليس لدي ما أقوله بشأن قراءة شخص عادي لهذا الكتاب الذي يعتبر كتابا مثل بقية الكتب بالنسبة لشخص كهذا. وأما عن طريقة تأثره عند قراءته فهي متعلقة بالكامل بفهمه وأحكامه المسبقة وخبراته وبطبيعة الحال تأثره وهو يقرأ.

بيد أن علاقة المؤمن الخفية بالقرآن تحدد كذلك كيف سيقرأه. وهذا لا يعني أن المؤمن الذي أقام هذه العلاقة على أساس متين سيفهم الأشياء ذاتها في كل مرة. بل على العكس تماما، فإن كل مؤمن ينفتح بوعيه على مناداة القرآن سيرى أنه ينير له دربه، كما سيسمع أحيانا أصواتا ويرى آيات خاصة به هو دون غيره.

ثمة احتمالية كبيرة أن يغلق القرآن على نفسه أمام أي وجهة نظر تشيّئ القرآن وتقرر هي ما سيقوله. فوجهة النظر الموضوعية الديكارتية التي تؤدي لحالة الانغلاق هذه لا تجلب معها فقط خسارة لبركة القرآن، بل إن الإنسان يستدعي العاقبة ذاتها عندما يتعامل مع الطبيعة.

علينا أن نستمع للقرآن بأرواحنا وأن نهتم بما يقوله لنا في اللحظة الأولى. وأما تخطي ما يقوله في اللحظة الأولى والسعي للانتقال لما ورائه يمكن أن يدفعنا أحيانا لأن ننحي القرآن جانبان ونتحدث باسمه بكل شيء ليس له علاقة به. فهذا السلوك الذي لطالما حددناه بشأن فكرة التاريخية يسري كذلك بشكل أكبر على بعض التفسيرات الصوفية التي تقول إنها تسعى وراء التفسيرات الباطنية للقرآن. ولهذا فإن تأسيس مجموعة من العلاقات التي تأتي كنتاج لمخيلة الإنسان واختلاق معان وتفسيرات مسنودة تلغي أو تضع في الظل المعاني اللفظية للقرآن في بعض المواضع وما فهمه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام من معان أصلية تحولت إلى أحكام واعية لا يختلف أبدا عن جهود تحويل القرآن إلى أداة. ومنذ هذه اللحظة تشعرون بأن ما يخاطبكم ليس القرآن، بل يحل محله كلام في محاولة لأن يجبر القرآن على قول كلام غير الذي فيه.

لا شك أن أحدا لا يمكنه في أي وقت إنكار احتمالية أن يكون القرآن مصدر إلهاماته وتداعيات معانيه الغنية. لكن أيا من هذه الإلهامات لا يمكن أن يلغي اللفظ القرآني الذي فهمه الرعيل الأول من المسلمين.

وهناك العديد من النماذج الرائعة حول هذا الأمر، لكن لعلنا نناقشها في مقال قادم بإذن الله.

+

خبر عاجل

#title#