اختبار "الأضواء" لمشاعر الديمقراطية! - ياسين اكتاي

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

اختبار "الأضواء" لمشاعر الديمقراطية!

كان عضو المحكمة الدستورية في تركيا، إنغين يلدريم، قد غرّد عبر حسابه في تويتر، الثلاثاء الماضي، تغريدة من كلمتين: “الأضواء مشتعلة"، تبعتها ردود فعل غاضبة، وإنني أعتبر تلك الردود مؤشرًا هامًّا جدًّا على مستوى الوعي الديمقراطي.

بغض النظر عن المعنى الذي تحمله هاتين الكلمتين وسواء أقصد صاحبها ذلك أم لا، فإنها قد فتحت الباب على نقاش مفصلي يجب تناوله بشكل منفصل، لا سيما وأن الجميع اختار التركيز على جانب معين من هذه الرسالة التي حملتها تغريدة يلدريم.

لم يتردد أحد بطبيعة الحال في فهم الإيحاء الذي ترمي له هاتان الكلمتان "الأضواء مشتعلة"، حيث أنها تجاوزت مستوى المجاز والاستعارة، نحو اللغة الصريحة. إلا أن صاحب هاتين الكلمتين رفض أن تكون لديه نية من هذا النوع أو أن يكون قد قصد إيماءًا كهذا. ومع ذلك فإن معنى هاتين الكلميتن بهذه الطريقة هو من المفهوم والجليّ الواضح في تركيا.

وبناء على ذلك فإن الغموض إذن في معنى هاتين الكلمتين "الأضواء مشتعلة"، وخروجهما عن المعنى الطبيعي إلى معنى مجازي يحتاج إلى توضيح، هو دليل على غموض من يقولهما بهذه الطريقة، أي على غموض صاحبهما.

تعتبر المحكمة الدستورية واحدة من أقوى مؤسسات الوصاية التي تأسست عقب انقلاب 27 مايو/أيار 1960، في تاريخنا اليديمقراطي، من أجل ضمان ديمومة وصاية الانقلابيين.

لا يمكن لأحد أن يقتنع بأن عضوًا في هذه المؤسسة ذاتها لا يقصد من هاتين الكلمتين إلا المعنى الطبيعي التي تشير إليه، أي الأضواء مشتعلة فحسب.

وفي هذا الوضع لا يمكن للمعنى الطبيعي العادي لهاتين الكلمتين أن يكون حجة يعتمد عليها صاحب هاتين الكلمتين، أو أن لا يكون هناك رسالة من ذلك. وإذا كان يجهل المعنى المجازي لهاتين الكلمتين في تاريخ تركيا فإنه يعترف إذن أنه بعيد كل البعد عن تاريخ الديمقراطية في تركيا، وعن تجربتها وصلتها. وعند ذلك يجب علينا التوقف والتساؤل مليًّا كيف لشخص من هذا النوع أن يجلس على رأس وظيفة ضمن أعلى المؤسسات الدستورية في تركيا.

على أي حال. بالنسبة لي أعتبر أن ردود الفعل الغاضبة التي أظهرها المجتمع ردًّا على هذه الرسالة/التغريدة وما ترمي إليه، بمثابة اختبار حقيقي للحس الديمقراطي لدى المجتمع. فالشعب التركي قد نجح سابقًا في إعطاء الجواب اللازم على محاولة الانقلاب الحقيقية ليلة 15 يوليو/تموز، وقد نجح في صد الانقلاب، وبرهن للصديق والعدوّ على أن ديمقراطيته لا تزال بصحتها وعافيتها.

لقد كانت هذه الحادثة فرصة لإظهار وإثبات أأ الحس الديمقراطي لا يزال موجودًا، منذ محاولة الانقلاب 2016 حتى الآن.

إننا ننظر إلى النقاشات والأسئلة حول ما إذا كانت هناك محاولة انقلاب جديدة في تركيا أم لا، على أنها نقاشات لم يعد لها أي داعٍ. بيد أنه كانت هناك محاولات عديدة في الأوقات التي اعتقدنا فيها عدم حدوث ذلك. حتى التحليلات التي تشير إلى عدم وجود بيئة مناسبة لأي انقلاب، ليست صالحة إلا لمن كان عقله في رأسه فحسب.

لكن علينا ان لا ننسى أن أذهان الانقلابيين تعمل بطريقة مختلفة. وبمعنى آخر عقولهم ليست في رؤوسهم. حيث أنهم ينظرون للعالم من مكان مختلف، وضمير مختلف وعين مختلفة.

صاحب العقل الطبيعي لا يمكنه أن يجعل فيلًا يقتحم محلًا لبيع الزجاج، إلا أنّ الأمر بالنسبة لمخططي الانقلاب مختلف، حيث لا يملكون أدنى تفكير أو تصور فيما لو كان امامهم محل زجاج أو رأس جبل. لا شك أنهم يفكرون في عالم مختلف تمامًا عن الذي نحن نعرفه.

ولذلك حينما نحارب الانقلابات علينا أن لا نعتمد على عقل وضمير وطريقة تفكير الانقلابيين، وكذلك علينا أن لا نعتمد على النظام الذي لا يمكن المساس به في هذا العالم الذي نعيشه. حيث أن المجرمين يعطّلون عقولهم تمامًا في سبيل تحقيق جرائمهم.

الشيء الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه ضدهم، هو الشعور والحس الذي يمتلكه الناس ضد الانقلابات والمخططين لها.

لم يعد بإمكان أحد السماح أو إعطاء الأمر بتنفيذ انقلاب في تركيا، لا الولايات المتحدة ولا حلف الناتو ولا الاتحاد الأوروبي، ولا قوة الانقلابيين الاقتصادية كذلك الأمر.

الشيء الوحيد الذي بإمكانه حماية المجتمع من الانقلابات، هو أن يكون لدى المجتمع ما يكفي من الحساسية والمشاعر القادرة على صد الانقلابات وإيقافها.

أخيرًا نقول أنّ الاختبار الحقيقي للديمقراطية تجلى عبر رسالة عضو المحكمة الدستورية "الأضواء مشتعلة"، حيث أظهر أن كلّ ما ومن يمسّ ديمقراطية الشعب التركي سوف يحترق.

+

خبر عاجل

#title#