من يريد فتح ملف الشيخ عاطف الإسكيليبي؟ - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

من يريد فتح ملف الشيخ عاطف الإسكيليبي؟

منذ سنوات يتم إحياء ذكرى رحيل الشيخ عاطف الإسكيليبي أمام قبره في مدينة جوروم التركية. إلا أن هذه السنة كانت مختلفة؛ حيث أن حزب الشعب الجمهوري استفاق فجأة من سباته وكأن هذه الفعالية تقام للمرة الأولى، وراح تزامنًا مع هذه الذكرى يشنّ حملة هجوم على الشيخ الراحل، بسبب معتقداته وأفكاره المناهضة للعلمانية واللائكية.

لقد قاموا بتذكيرنا بعد أن كدنا ننسى. أعادوا تذكيرنا أيضًا بما يظهروه اليوم ضد حزب العدالة والتنمية وشخص الرئيس التركي؛ كيف أن الفاشية الراديكالية والجاهلية وعدم تحمل الآخر؛ لا تزال تختبئ وراء ديمقراطيتهم الزائفة ومزاعم حقوق الإنسان التي يدعونها.

لقد أظهروا أنهم إلى اليوم لا يزالون ينظرون إلى من يفكر عنهم بطريقة مختلفة أنه يستحق الفناء والتدمير، وليس مجرد السجن أو الملاحقة أو أي عقوبات خفيفة أخرى.

إنهم لا يتقبلون إحياء ذكرى رحيل عالم تم إعدامه لمجرد معارضته لقانون ما إبان تأسيس الجمهورية، وينظرون لزيارة والي المدينة إلى قبر هذا العالم على أنها خروج بوجه قوانين الجمهورية وعدم احترام لمؤسسيها، والأدهى أنهم يحاولون إثبات أحقية إعدام الإسكيليبي.

أيّ نوع من الجنون هذا؟ ما الذي اقترفه الإسكيليبي؟ إنه لم يحمل سلاحًا ولم يعلن الحرب على الجمهورية، لم يفعل شيئًا سوى أن عارض القانون الذي ألزم الناس آنذاك بارتداء القبعة الغربية. ربما كان السبب الرئيسي لإعدامه هو ما فعله حينما كان رئيسًا لجمعية صعود الإسلام، إلا أنّ ما يعتبر أساسًا للحكم عليه بالإعدام هو موقفه ضد "القبعة الغربية" في نهاية المطاف. ولا شك أن مسألة إعدامه بسبب هذا الموقف فقط، يعتبر الجانب الأكثر خطأ في تاريخ الجمهورية، ولا يمكن الدفاع عنه بأي صورة.

لا يمكن لك أن تذكر لأحد في العالم أن حقبة كان عمادها "قبعة"؛ إلا وسيرد عليك بالضحك. وطالما أن لحقبة تأسيس الجمهورية مكتسبات، فلا يجدر إذن التركيز على فكرة "القبعة" والاستماتة في الدفاع عنها. ولو كان هناك نذر يسير من العقل فيجب أن يقوم أصحاب تلك الأفكار والتجارب بالدفع نحو مسحها من الذاكرة، لأنه لا يوجد أي جانب في ذلك يمكن الدفاع عنه سواء في وقتنا الحاضر أو حتى في تلك الحقبة.

فضلًا عن أنهم حينما يركزون على مثل هذه الترهات ويستميتون في الدفاع عنها، يجعلوننا ننسى الحسنات الأخرى لمؤسسي الجمهورية. وعلى الرغم من أننا نحاول تجاوز تلك المرحلة ونسيان ما حدث، يعودون هم ليذكروننا بأن ما حصل آنذاك من جنون وتراجيديا ومأساة وفاشية يمكن أن يحدث اليوم وغدًا أيضًا، من خلال هجومهم على شخص كان ضحية تلك الممارسات الفاشية.

إلى جانب كل ما سبق، نأتي إلى الحساسية التي حلت بالبعض إثر قيام والي جوروم بزيارة قبر الشيخ عاطف الإسكيليبي بذكرى وفاته. لقد عبر الوالي بوضوح عن الدافع وراء زيارته حيث قال؛ "بعيدًا عن القضايا الجدلية، فهو رجل علم من جوروم".

أعتقد أن هذه الحساسية غير ضرورية، حيث أننا على الرغم من نسياننا للعار التاريخي الكبير الذي قضى بإعدام رجل عالم بسبب مقالة كتبها، فإن البعض لا يزال يستميت في الدفاع عن هذا العيب وكأنه شيء مقدس.

الجدير بالذكر أن مقالة أو رسالة الشيخ عاطف الإسكيليبي والتي جاءت تحت عنوان؛ "تقليد الفرنجة والقبعة"، كان قد نشرها قبل قانون القبعة الشهير. بمعنى آخر، لم يتعمد استهداف هذا القانون المثير للجدل. بل مجمل رسالته كان يدور حول تذكير المسلمين بأن يكونوا أصحاب حس فيما يتعلق بوحدة عملهم مع إيمانهم، وفيما يتعلق بأصالتهم وثقافتهم، كما استند إلى القرآن والسنة في تحريم تشبه المسلمين بغيرهم من حيث اللباس والعادات والثقافة. ودافع عن رأيه من خلال الإشارة إلى أن لباس الإنسان وثقافته يعكسان بطبيعتهما معتقدات الإنسان، وأنه من الممكن التمييز بين مسلم ومسيحي ويهودي من خلال اللباس والعادات.

ويرى الشيخ عاطف أن انعكاس المعتقد على اللباس هو أحد أهم معالم الظرية العملية/التطبيقية في الإسلام. كما أن جسد الفرد يمكن أن يشير بدوره إلى معتقد ما تدين به جماعة يشملهم قاسم مشترك. ولذلك السبب نجد ان المسلمين على وجه الخصوص لديهم حساسية كبيرة تجاه رسم رموز معينة على الأجسام، إن كانت تلك الرموز تخص أديانًا أو أيديولوجيات أخرى. ولقد كانت هذه الحساسية مطلبًا لنظرة الإسلام الأساسية فيما يتعلق بوحدة الإيمان مع العمل، او تطابق النية مع العمل.

هناك جانب آخر للقضية يبدو متناقضًا، وهو أنه بعد النصر الذي نجحت به الجمهورية في طرد العدو المحتل من أراضيها، راحت تفرض قوانين تلزم الناس بتقليد هذا العدو المطرود للتو؛ بلباسه وثقافته، فيما جعل الأمر متعلقًا بشكل لا بد منه بالاستقلالية. وكان ذلك بمثابة استسلام روحي لذاك العدو المهزوم. نعم لقد تمت هزيمة العدو إلى ما وراء البحر، لكنه بقي محفورًا في أبداننا عبر لباسه، وظل جاثمًا فوق رؤوسنا بـ"قبعته"، وعلى الرغم من ذلك كان من الواجب عليك أن تصف "قانون القبعة" بالثورة.

إن وقع ذلك على آذاننا اليوم لم يكن أقسى من وقعه على آذان الناس في تلك الحقبة. ولذلك نجد أن الشعب التركي لم يرتضِ هذه الممارسات طواعية من قلبه في أي وقت كان، سوى شريحة صغيرة هي الأقلية، وهي التي ارتضت إعدام الشيخ عاكف، حيث لم يتم إعدامه برضا الناس وحكمهم، بل بحكم محاكم أسياد تلك الحقبة. تمامًا كإعدام مندريس.

لم يكن يرغب أحد اليوم بفتح هذا الأرشيف. لكن أرجو أن يساهم هذا في خلق نضج ووعي، وإدراك أن الصمت لا يعتبر ذنبًا أو ضعفًا.

هناك موقف لافت في حكاية الشيخ عاطف، حينما رفض استخدام حق الدفاع عنه في المحكمة حين صدور قرار إعدامه، ربما ذلك يشير إلى مدى اليأس الذي تخلله من ذاك الوضع الراهن، الذي لم يعد يرى فيه مكانًا يسمح له أن يعيش دينه بحرية داخل المجتمع الجديد.

وحينما جادله القاضي وقارن بين العمامة والقبعة وأن كليهما مصنوعان من قماش، أشار الشيخ عاطف إلى العلم الموجود خلف القاضي وقال له بأن مادته الخام هي نفس مادة خام علم الإنجليز أيضًا. لقد أراد الشيخ عاطف أن يسلط الضوء على نقطة هامة تتعلق بمعنى وأصول الرموز الوطنية والدينية.

ملاحظة: حينما أكملت رسالتي الدكتوراة في جامعة الشرق الأوسط التقنية عام 1997، تحت عنوان؛ "الجسد، النص، الهوية: خطاب الأصالة الإسلامية في تركيا الحديثة"؛ خصصت فصلًا مهمًّا عن الشيخ الإسكيليبي. ولقد كان في مناقشة أطروحتي البروفسور أ.د. يوسف ضياء أوزجان. أريد أن أقول لا يهمني ماذا يقوله الآخرون، إلا أنّ ما صرح به الأستاذ اوزجان على وجه التحديد عبر مواقع التواصل فاجأني بشدة.

+

خبر عاجل

#title#