أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

لقد سقط القناع مرة أخرى وبدت سوأة العار المختبئة، بعد أن كشف وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بالأدلة والوثائق، عبر إحدى القنوات التلفزيونية؛ عن ضلوع نائب برلمانيّ من حزب الشعوب الديمقراطي بشكل مباشر في إرسال شاب كردي نحو مخيمات الإرهاب. لكن العار الأشد وقعًا من ذلك، هو أن ما قام به هذا النائب البرلماني بحزب الشعوب الديمقراطي قد أضحى نشاطًا اعتياديًّا.

لقد بات من الواضح لمن لا يعلم حتى الآن، أنّ حزب الشعوب الديمقراطي بنوابه ومباني تشكيلاته وإدارات بلدياته؛ يعمل كوحدات لتجنيد المقاتلين لصالح منظمة بي كا كا الإرهابية وتمويل أنشطتها الإرهابية.

ولقد أثبتت الأمهات اللواتي يعتصمن أمام مقر حزب الشعوب الديمقراطي في ديار بكر، ويطالبن مسؤولي الحزب بتسليم أبنائهنّ وفلذات أكبادهن، بعد تجنيدهم لصالح بي كا كا الإرهابية؛ أثبتت هذه الأمهات أمام العالم أجمع أنّ العلاقة بين بي كا كا والشعوب الديمقراطي لم تعد مخفيّة. من أجل استرجاع أبنائهن من بي كا كا الإرهابية، توجهن لحزب الشعوب الديمقراطي.

هناك وصمة عار أخرى، تلحق أولئك الذين يغضون أبصارهم وآذانهم عن صرخات تلك الأمهات اللواتي تجاوزن 200 عائلة يطالبن بأولادهن منذ وقت طويل، لكنهم أنفسهم تفانوا في الدفاع عن صلاح الدين دميرتاش الذي يقبع في السجن لأنه حرّض بشكل مباشر على قتل 55 إنسانًا.

إحدى هذه الأمهات المعتصمات اللواتي يطالبن بأولادهن الذين تم تجنيدهم على يد الشعوب الديمقراطي، وأرسلوا للجبال نحو مخيمات بي كا كا الإرهابية، تقول لأم صلاح الدين دميرتاش التي تطالب بإطلاق سراح ابنها؛ "صلاح الدين دميرتاش مسجون في سجون الدولة وتحت ضمانتها، بسبب محاكمته نتيجة الجرائم المتّهم بها، لكن ولدي "نور الدين" تم اختطافه وهو في مخيمات بي كا كا الإرهابية دون ضمان وأمان، فلتطالب والدة دميرتاش من المنظمة إطلاق سراح ابني نور الدين أيضًا".

بغض النظر عن نور الدين هل أضحى رهينة بيد المنظمة، أم هو الآن من بين عناصرها أو ما يسّمى قياديّيها، إلا أن المهم هو كلمات هذه الأم في ديار بكر، حيث أن كلماتها قد كشفت التناقض بأوضح شكل ممكن.

إن عنف الفاشية الذي يسكن شرايين هذه المنظمة وأفرادها تجعلهم يأكلون بعضهم ويفتكون ببعضهم حينما يتعلق الأمر بالحقوق والقانون. وإن أكثر من تحدث عن هذا العنف الفاشي باوضح شكل، هو آيتكين يلماز، في كتبه الثلاثة؛ "الديكتاتور الأخير"، و"أن تقتل رفيق الدرب"، و"السلام عبر المواجهة".

إلى جانب كون تلك الكتب شاهدًا مثاليًّا على عنف بي كا كا الإرهابية وذراعها السياسية حزب الشعوب الديمقراطي، فإنها أي تلك الكتب أوضحت بشكل كبير خيوط الدعم والتعاون العميقة بين هذين الهيكلين وبين وسائل الإعلام والهياكل السياسية في تركيا.

يبقى الجانب الأكثر تراجيدية هو أن الحزب (الشعوب الديمقراطي) الذي يدعي خلال خطاباته المزيفة أنه ضد العنف، وأنه بجانب الحرية والديمقراطية، ما هو إلا عبارة عن حركة قامت على العنف والفاشية، مما يناقض جملة وتفصيلًا دعاية الحزب لنفسه.

إن عنف منظمة بي كا كا الإرهابية لا يقتصر على إيذاء أجساد الناس فحسب، بل على كلامهم وفهمهم وعقولهم أيضًا، في ممارسة خطيرة للإرهاب بأشنع صوره. ولذلك فإن ما يختبئ تحت معسول خطابات الشعوب الديمقراطي الذي يتاجر بالديمقراطية والحقوق والحرية، من ممارسة فاشية خطيرة؛ قد تحول إلى ثقافة روتينية تحمل تأثيرًا قاتلًا، فضلًا عن أنها تستهلك الكلمات.

عقلية بي كا كا الإرهابية بشكل عام تملك تركيزًا مفرطًا للغاية على الديمقراطية والمتاجرة بها، لكن ومع ذلك من الواضح أن هذا التركيز المفرط ليس سوى إبراز للمشكلة بشكل أكبر ليس إلا.

وفي الواقع حين التمعن في ذلك، لا يسع الإنسان إلا أن يتذكر القاعدة الشهيرة، التي مفادها؛ أن التركيز المفرط على شيء ما؛ فضلًا عن أنه يضعفه ويستهلكه لدرجة أنه يجعله بال معنى، فإن هذا التركيز أيضًا يشير إلى جانب مخفي ومبهم في الوقت ذاته. على سبيل الثمال؛ من يبدأ كل جملة من كلامه بقسم ويمين، يفقد قيمة يمينه مع مرور الوقت، لكن من الواضح هو أن هذا القسم نتيجة تحفيز على إخفاء الباطل في وجدان المتحدث. وقياسًا على ذلك، التركيز المفرط على الديمقراطية يشير إلى انفصام وابتعاد عنها.

هذه الديمقراطية ذاتها التي تبجحوا بها خلال "عملية الحل"، كان الحل الذي قدموه لتركياغريبًا ومثيرًا للغاية، إنه "الإدارة الذاتية". وربما مفاد هذا المصطلح بحد ذاته الذي اعتبروه نموذجًا أعلى للديمقراطية؛ أعطى لهم الحق في الاستيلاء على منازل الناس بالقوة، وحفر الحفر داخلها نحو المدن، وبناء التحصينات في هذه الحفر على مدار شهور استعدادًا للحرب، وإيقاف الحياة طيلة هذه المدة، وتحويل حياة الناس إلى جحيم. هذه الممارسات أطلقت عليها بعض النظريات، مصطلح؛ "استعادة السياسة ضد الاستبداد".

ما هو نوع الديمقراطية التي كانت منظمة بي كا كا الإرهابية تعمل وفقها خلال القيام بهذه الممارسات الظلامية؟ هل كانت من خلال تلك الحفر نحو المدن؛ تقوم باستفتاء بين أهل المدن حول استعدادهم للحرب ضد الدولة؟ أو هل سألوا سكان الأحياء التي تم حفر بيوتهم لاستخدام تلك الحفر لأجل الحرب ضد الدولة؟ أو هل ساهموا مثلًا في جلب الديمقراطية لهؤلاء الناس؛ من خلال تخريب بيوتهم وتحويلها إلى ثكنات إرهابية، وتنغيص عيشهم، وفتح المنازل على بعضها من خلال هدم الجدران الفاصلة فيما بينها؟

لا شك على الإطلاق أن جميع تلك الممارسات لا تمت للديمقراطية أو السياسة أو الإدارة الذاتية بأي صلة لا من قريب ولا بعيد، بل ليست سوى مؤشر على العنف الفاشي الدنيء الرخيص والسافل.

في الحقيقة يجب أن على من يقوم بهذه الممارسات الظلامية أن لا يتلفظ بكلمة "ديمقراطية" طيلة حياته. لأن ما ارتكبوه من جرائم وممارسات فاشية يستهدف الديمقراطية وحقوق الإنسان قبل أي شيء. وإن ما يقومون به من التغرير بآلاف "الأطفال" وخداعهم بهدف تجنيدهم والزج بهم نحو الجبال ومخيمات الإرهاب كي يكونوا وقود حروب المنظمة، وضحية بيئة لن يروا فيها سوى الإهانة والمذلة؛ لا يندرج إلا تحت جرائم ضد الإنسانية.

ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه الجرائم تتم بدعم خفي سواء من الداخل أو الخارج، لكنهم لا يدركون أن هذا الدعم عبارة عن مخدّر اعمى عيونهم وهم داخل سفينة توشك على الغرق لا يدركون إلى أين يمكن أن تتجه بهم.

+

خبر عاجل

#title#