كيف ينبغي ألا يُنظر إلى المسلم؟

08:315/05/2025, الإثنين
تحديث: 5/05/2025, الإثنين
ياسين اكتاي

لقد أشرنا سابقًا إلى أن كل مسلم يقترح تصورًا معينًا حول "كيفية نظر المسلم للأشياء" يواجه خطر الانزلاق لا محالة إلى استخدام لغة مطلقة. والواقع أن اللغة الدينية بطبيعتها تحمل في بنيتها النحوية هذا الطابع المطلق. وقد اعتبر كثير من علماء الاجتماع هذه اللغة نسقية وموضوعية، ورأوا فيها منشأً لظهور النزعة الأصولية. ولا يقتصر هذا النمط اللغوي على المسلمين وحدهم؛ بل يمكن القول ـ حتى من خلال قراءة سطحية ـ إن الإسلام هو الدين الأقل تأثرًا بهذا المنحى. وإن كانت لهذه اللغة الموضوعية مظاهر في التاريخ الإسلامي

لقد أشرنا سابقًا إلى أن كل مسلم يقترح تصورًا معينًا حول "كيفية نظر المسلم للأشياء" يواجه خطر الانزلاق لا محالة إلى استخدام لغة مطلقة. والواقع أن اللغة الدينية بطبيعتها تحمل في بنيتها النحوية هذا الطابع المطلق. وقد اعتبر كثير من علماء الاجتماع هذه اللغة نسقية وموضوعية، ورأوا فيها منشأً لظهور النزعة الأصولية. ولا يقتصر هذا النمط اللغوي على المسلمين وحدهم؛ بل يمكن القول ـ حتى من خلال قراءة سطحية ـ إن الإسلام هو الدين الأقل تأثرًا بهذا المنحى.

وإن كانت لهذه اللغة الموضوعية مظاهر في التاريخ الإسلامي على شاكلة "السلفية"، فإن بعض الأوساط الصوفية، التي تُعرف بأنها غير سلفية وتدعي أنها أكثر تسامحًا، قد تبنّت في ممارساتها اليومية وتفسيراتها آراء أكثر إطلاقًا وحسمًا وإقصاءً من السلفيين أنفسهم. فعلى سبيل المثال، الخطاب والممارسات الإقصائية التي تُطرح باسم "أهل السنة" في تركيا، تقدم نموذجًا لافتًا في هذا الصدد. والحال أن التيار الإسلامي السائد الذي تشكّل تاريخيًا تحت اسم "أهل السنة" قد تميز بالحكمة والرشد، وكان يعترف بتعدد التفسيرات ويقدّرها. ومع ذلك، فإن الممارسات التي تسعى اليوم إلى إغلاق هذا الطريق استنادًا إلى رؤى تاريخية وشخصية ضيقة، ليست سوى نموذج لتجارة دينية لا أكثر.

وكما ذكرنا إن سؤال "كيف يجب أن ينظر المسلم؟" هو سؤال بالغ الأهمية ويحدد وجود المسلم في كل الأحوال. ولكن يمكننا أن نصوغ هذا بشكل أدقّ فنقول: إنّ ما يشكل الأساس الحاسم هنا هو القلق أو الحافز الذي يدفع المرء إلى طرح هذا السؤال، أما الإجابات، فالجميع يعلم أنها تتباين وتتشكّل تبعًا للمعرفة، والعمر، والجنس، والخلفية الثقافية. ومن ثم، لا بد من القول إن الاختلاف بين المسلمين في هذه القضية وغيرها من القضايا، أمر جائز ومشروع.

وحين تحدث المفكر محمد أركون في الأوساط الفكرية الفرنسية بعقل تنويري عن أن المسلمين، على مدى التاريخ، أغلقوا أبواب التفكير أمام بعض القضايا وصنّفوها ضمن محظورة "لا يُسمح بالتفكير فيها"، كان بالإمكان مواجهته بالسؤال: "عن أي قضايا تتحدث تحديدًا؟" إذ لم توجد عبر التاريخ قضية واحدة لم يتناولها المسلمون بالتفكير والنقاش. صحيح أن هناك فترات تاريخية سعت فيها السلطات السياسية لفرض تكميم على بعض الموضوعات، لكن تلك المحاولات كانت ظرفية ومحدودة، وغالبًا ما كانت تُعاد مناقشة تلك المسائل مجددا بجميع أبعادها على يد مفكرين مسلمين آخرين في الحقبة نفسها أو في فترات لاحقة، بكل شجاعة وثقة.

وعلى العكس من ذلك فقد كان الأكثر شيوعًا هو وجود مستشرقين أو مستشرقين ذاتيين انطلقوا من واقع التعدد والاختلاف داخل الفكر الإسلامي ليزعموا أنه يفتقر إلى الاتساق الداخلي أو أنه مفرط في التنوع. وحتى في أيامنا هذه، لا يزال بعضهم ينتقد الحركات الإسلامية لعدم تقديمها رأيًا موحدًا في بعض القضايا، فأي نمط من "الإسلامية" يطمحون إليه؟ أيريدون رؤية إسلامية مطلقة أحادية التفكير؟

لقد رأى بعض المستشرقين أن "المجتمع الفسيفسائي" — وهو المجاز الذي يُستخدم للتعبير عن التعددية الدينية والمذهبية التي ظهرت في الحضارة الإسلامية — نتيجة لعجز الإسلام عن النفاذ إلى عمق الثقافات. غير أن هذا الزعم يغفل عن التكلفة الباهظة التي دفعتها الحضارة الغربية عبر التاريخ لتشكيل مجتمعاتها المتجانسة ظاهريًا. فقد كان الثمن: القمع الدموي، والحرمان الكنسي، ومحاكم التفتيش، والمجازر، والتهجير القسري، وكلها أدوات لتكريس هذا "التجانس". أما الواقع الكامن خلف تصور "المجتمع الفسيفسائي" في الإسلام، فليست ضعف المسلمين في تحويل المختلف عنهم إلى نسخة منهم، بل كان تعبيرًا عن قدرة المسلم على الاعتراف بوجود "الآخرين" وتقبلهم كما هم دون تغيير.

وفي السياق ذاته، حين يسارع بعض النقّاد إلى كتابة "نهاية الإسلاموية" بكلّ حماسة، لمجرد أن الإسلاميين لم يعودوا يتمسكون في الوقت الراهن بنفس شعارات السبعينيات والثمانينيات من قبيل "الثورة"، و"الدولة الإسلامية"، و"الحكومة الإسلامية"، فماذا يفعلون سوى أنهم يجعلون رؤية تاريخية للإسلاموية مطلقة لا تقبل التغيير؟

ناهيك عن أننا نشكّ أصلاً في قدرتهم على قراءة خطاب الإسلاميين في تلك العقود قراءة دقيقة. فعندما كانت تثار نقاشات حول "الدولة الإسلامية"، كانت تدور في داخلها اعتراضات واختلافات عميقة حول ماهيتها وما تعنيه. إذ لم تُنتج الإسلاموية في أي مرحلة، نموذجًا واحدًا، ولا كان خطابها خطًّا أحادي الاتجاه صالحًا لكل زمان ومكان. لقد كانت الإسلاموية إجمالًا، مشروعًا فكريًا شاملًا، لكنه احتوى دائمًا على نقاشات حادة وخلافات عميقة. مشروع لم يستنفد أبدًا سبب وجوده أو معناه، بل ظل حيًا بجدله الداخلي.

وفي النهاية، فإن الفكرة الأساسية التي شكّلت جوهر جميع تجليات الدولة الإسلامية، أو الحركة الإسلامية، أو ما يُعرف بالإسلام السياسي، هي عبودية المسلم لله وحده دون سواه. أما في الواقع التاريخي، فقد تجسّد هذا الجوهر في هيئة المقاومة ضدّ الاستعمار والاحتلال. ولا أحد يستطيع اليوم أن يدّعي بأنّ الظروف التي أنجبت الإسلاموية، وفي مقدّمتها الاحتلال والإمبريالية، قد زالت من الوجود. فما تزال الأمة الإسلامية تحت الاحتلال، وما تزال القوى الاستعمارية تهيمن على الأرض، والثروات، والعقول، والإرادات.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتقييم تحوّلات الإسلاموية في هذا العصر دون الالتفات إلى بُعد الاحتلال والاستعمار، لن تقود إلى فهم شيء عن المسلمين، ولا عن الإسلاميين. ولن تتمكن أبدًا من استيعاب ما يعيشه المسلمون حقًا، ولن تفلح في فهم السلوكيات التي تصدر عن المسلمين أو الفقه الذي تستند إليه تلك السلوكيات. بل إن تجاهل بُعد الاستعمار لا يؤدي إلا إلى تكثيف "جدران الاحتلال" في الأذهان، عن قصد أو عن غير قصد. وخاصة إذا كان من يقدم هذه التقييمات أشخاصًا انشقوا عن الإسلاموية بسبب تجاربهم الشخصية، أو مشاكلهم في المشاركة، أو صدماتهم، أو فقدانهم للإيمان، أو غضبهم، فالتجؤوا إلى الجانب الآخر. وحين يصرخ هؤلاء باعترافاتهم الغاضبة عن الإسلام أو المسلمين يقوم كل شخص بتقييم كلامهم بشكل منفصل وفقًا لموقفه. وليس مستغربًا أن تجد هذه التصريحات صدى واسعًا في "معسكرات الأعداء" التي لجؤوا إليها؛ فكل طرف يحاول في نهاية المطاف، تبرير خياره ومساره.

ونحن بالطبع نتساءل عن أولئك الذين يتبعون "أركون" ويعبّرون عن خيبة أملهم بسبب كثرة "المساحات المحرّمة فكريًا" لدى المسلمين في مينائهم الكمالي الآمن؛ هل يجرؤون على طرح الأسئلة الأساسية عن الكمالية نفسها في الميناء الذي لجؤوا إليه؟ هل يجرؤون على مساءلتها، والغوص في حقيقتها التاريخية، والنبش في وقائعها بتلك السهولة؟


#المسلم
#الإسلام
#التاريخ
#الدين
#الاحتلال
#السلفية
#أهل السنة