تركيا جُندت واستولى عليها ذهنيًا من الداخل دون أن تُحتل فعليًا!

08:0719/12/2025, Cuma
تحديث: 31/12/2025, Çarşamba
يوسف قابلان

لم تعش أي دولة ما عشناه نحن! هذا المجتمع لم يُستعمَر من الخارج على يد المستعمرين، ولم يُحتل فعليًا. لقد طُبِّق مشروع تدميري جعل المجتمع البريطاني في هذا البلد، لم يحتلوا البلاد، بل استولوا على الدولة وغزوا عقول أطفال هذا البلد. لذلك، حتى نخبة هذا البلد، ناهيك عن المواطن العادي، لا يعرفون ما حلّ ببلدهم، بعيدون عن الحرية الفكرية، يعانون من شلل ذهني، عبيد معرفيون! ولهذا السبب، أخذ هذا البلد مكانه التراجيدي الكوميدي في التاريخ باعتباره بلدًا استولى عليه الآخرون دون قتال. تركيا لم تُحتل فعليًا، بل احتُلّت

لم تعش أي دولة ما عشناه نحن! هذا المجتمع لم يُستعمَر من الخارج على يد المستعمرين، ولم يُحتل فعليًا. لقد طُبِّق مشروع تدميري جعل المجتمع البريطاني في هذا البلد، لم يحتلوا البلاد، بل استولوا على الدولة وغزوا عقول أطفال هذا البلد. لذلك، حتى نخبة هذا البلد، ناهيك عن المواطن العادي، لا يعرفون ما حلّ ببلدهم، بعيدون عن الحرية الفكرية، يعانون من شلل ذهني، عبيد معرفيون! ولهذا السبب، أخذ هذا البلد مكانه التراجيدي الكوميدي في التاريخ باعتباره بلدًا استولى عليه الآخرون دون قتال.

تركيا لم تُحتل فعليًا، بل احتُلّت ذهنيًا!


أكرر وأؤكد بأقصى صوتي: تركيا لم تُحتل فعليًا، بل احتُلّت ذهنيًا. كان الإمبرياليون يعلمون جيدًا أنهم لن يستطيعوا احتلال هذه الأراضي فعليًا، وأننا، الذين جعلنا هذه الأرض موطنًا للإسلام لألف عام، سنحميها حتى آخر قطرة من دمائنا، ولن نستسلم أبدًا ولن نسمح لأحد بالاستسلام. لهذا السبب، أجبر البريطانيون باشواتنا على تنفيذ إصلاحات التنظيُم (Tanzimat)، واشتروا الباشوات، فكانت إصلاحات التنظيُم (Tanzimat) بمثابة حكم الإعدام لنا. وبهذه الطريقة، بدأت مرحلة الاستيلاء الذهني على هذا البلد / مشروع استعماره الذاتي.


لم يُحتل البلد من الخارج، بل كان سيُحتل من الداخل: فقد وضع مصطفى رشيد باشا، الذي انضم إلى الماسونية في لندن، ثم على خطاه علي باشا وفؤاد باشا، اللبنات الأساسية لتسليم البلاد للبريطانيين من الداخل.


ويُظهر خطاب رئيس الوزراء البريطاني اليهودي غلادستون أمام مجلس العموم، وهو يحمل المصحف، ويقول: "لا نستطيع هزيمة الأتراك في ميادين القتال، والطريقة الوحيدة لهزيمتهم هي أخذ هذا الكتاب، القرآن، منهم"، كيف بدأوا مشروع الاستيلاء الذهني علينا بعمق وبشكل مخيف.


لذلك، علينا أولًا أن نفهم الأزمة الحضارية التي نعيشها، ثم تحليلها بشكل عميق وشامل، وأخيرًا التفكير في كيفية تجاوزها. ولكي نفعل ذلك، يجب أن نفهم المشكلة التي نعيشها فلسفيًا وبعمق.


فلنتذكر دائمًا: الإنجازات الكبرى تبدأ بالثورة في العقل. من لا يستطيع القيام بثورة في عقله، لن يتحرر أبدًا من استعباد الأرض والزمان. ومن لا يقوم بثورة عقلية، لا يستطيع تأسيس عصر جديد؛ وسيختفي في عوالم وأطر العصور التي بناها الآخرون.


الثقافة البارونية والماسونية المقتبسة تدفع تركيا نحو الانتحار الثقافي...


قبل بضع سنوات، اعترف الرئيس رجب طيب أردوغان بأمر مهم، قائلاً: "لم نتمكن من تحقيق خطوات ناجحة في التعليم"، وأن حزب العدالة والتنمية "لم يتمكن فكريًا من أن يكون صاحب سلطة".


ويُعد اعتراف أردوغان بخطأاته، وإشارة إلى إمكانية تحقيق نهضة وطنية في التعليم، أمرًا مهمًا جدًا.


رغم التأخر، إذا اتُخذت خطوات جذرية وشاملة من الآن فصاعدًا، سنكون على طريق آمن لإنقاذ وبناء مستقبلنا.


هناك قول أكرره دائمًا: علينا في عشر سنوات أن نزرع بذور مئة عام. يجب أن نحرر تركيا من سيطرة الشبكات البارونية والماسونية التي استوطنت كل المجالات.


في تركيا، لا تسيطر هذه الشبكات على الحياة الاقتصادية فحسب، بل على التعليم والثقافة والفن أيضًا! هؤلاء هم نوع من الثقافة المقتبسة، ثقافة مستعبدة، يسعون لتحويل تركيا، التي لم تُحتل فعليًا، إلى بلد استُعمِر ذهنيًا، مكوَّن من عبيد معرفيين يخدمون مصالحهم الخاصة ويهدرون موارد البلاد للنظام العالمي.


هؤلاء الطفيليون ما زالوا يوجهون الحياة الفكرية والفنية والتعليمية والثقافية والإعلامية في تركيا!


هؤلاء الطفيليون يوجهون الحياة الفكرية والفنية والتعليمية والثقافية والإعلامية في تركيا! ليس أبناء هذا البلد الحقيقيون، بل مقتبسون مستعبدون!


إذا استمر الحال هكذا، فإن هذا البلد سيضيع من بين أيدينا. سيضيع لأن النظام التعليمي والثقافي والفني والإعلامي الحالي يغزو ذهنيًا عوالم المستعمرين الذين لم يستطيعوا احتلالها فعليًا! تركيا تحت الاحتلال الذهني! وإذا لم يتوقف هذا الاحتلال الذهني، فلن تستطيع البلاد الحفاظ على استقلالها ووجودها.


إذن، ماذا يجب أن نفعل، وكيف؟


هذا موضوع مختلف تمامًا يحتاج لمقال مستقل. لكن يمكنني القول هنا:


قبل كل شيء، يجب أن نضع في محور الاهتمام نظامًا تعليميًا جذريًا وطويل الأمد يركز على إعداد أجيال نابغة تحمل حلم الحضارة والنهضة، أجيال مثل الغزالي، ابن عربي، يونس، سنان، وإتري. نظام تعليمي شامل يدمج جميع قطاعات المجتمع، ويجمعهم، ويتجاوز كل العقبات، ويعيد بناء الفكر والتعليم والثقافة والفن في تركيا وفق رؤية حضارية قوية وشاملة.

#تركيا
#العثمانيين
#تنظيمات
#الغرب
#باشوات
#الاحتلال الداخلي
#مصطفى رشيد باشا