رحيل بولتون وتفجيرات أرامكو - زكريا كارسون

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

أرهقت السعودية والإمارات بسبب حرب اليمن التي تخوضانها منذ عام 2015، فلم تحصلا على النتائج التي كانتا تأملانها كما دبت الخلافات بينهما، وبدأت كل دولة منهما تدعم جماعة مختلفة في اليمن. ولقد وكان واحدا من أهم أسباب هذا الأمر هو الأعمال التخريبية التي حدثت في المياه الإماراتية، وإن كانت إيران قد اتهمت بذلك، فيبقى الفاعل مجهولا.

ولقد بدأت الإمارات تعمل من وراء حلفائها وتتنازل عن مصالحها الإقليمية بعد أول تهديد رأته في بالقرب من أراضيها، بل حتى أو في موانئها. لقد نجحت الأعمال التخريبية التي لا يعرف فاعلوها (!). وربما تكون قد نُفذت من أجل ذلك بالتحديد. ولقد تنازعت الإمارات في خضم هذه الأحداث مع السعودية أقرب حلفائها، حتى أنه عندما تباحثت الإمارات مع إيران، حاولت السعودية استثارتها عن طريق عقد مباحثات سرية مع قطر بوساطة الكويت.

لقد تعرضت منطقة الخليج العربي لعملية تخريبية جديد نهاية الأسبوع المنصرم؛ إذ بحسب الادعاء فإن هجوما لطائرتين بدون طيار استهدف أرامكو شركة النفط الأكبر والأكثر ريحا في العالم، وهو ما أخلّ من جديد بالتوازنات الإقليمية والدولية. ولقد أوقفت أرامكو السعودية ذات المنشأ الأمريكي إنتاجها لتبعث أولى رسائلها للعالم. هناك عدة أسباب تجعلنا نعتقد أن هناك علاقة بين التطورات الأخيرة في البيت الأبيض وتلك الأحداث، وإن بدت وكأنها معقدة بعض الشيء.

لقد كان السبب الرئيس للحرب في اليمن هو تنفيذ الهجوم الفعلي الذي لم يتم في عهد أوباما ضد إيران هذه المرة بيد المجنون ترامب. فتشكلت التحالفات والائتلافات وعمليات التسليح بناء على ذلك. بل حتى إن فريق عمل البيت الأبيض اختير وفقا لذلك. ولقد دعم ترامب الحرب في اليمن وجدد كل صفقات السلاح في الخليج، كما أتم صفقات السلاح التي يمكن بيعه خلال الفترة التالية ليحصل على دعم قطاع تصنيع الأسلحة في الولايات المتحدة من أجل الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكنه لم يفعل أكثر من ذلك، بل حتى إنه ظل صامتا أمام تدمير إيران لطائرة أمريكية مسيرة.

غير أن التطور الأخير الذي حدث في البيت الأبيض كان القشة التي قصمت ظهر البعير في منطقة الخليج؛ إذ تعرضت السعودية لخيبة أمل كبيرة عند عزل بولتون من منصبه وكأنه يطرد منه، وهو المعروف بموقفه المناهض لإيران والمؤيد للحرب. ذلك أن ولي العهد محمد بن سلمان كان يثق ببولتون حتى وإن لم يكن قد تولى منصب الملك ويعتبره البطل المحتمل لهجوم فعلي ضد إيران. ذلك أنه إلى أي مدى يمكن التفكير بشكل منفصل عن أزمة إيران والخليج العربي في إقالة شخصية عملت في منصب مستشار الرئيس الأمريكي ترامب في مسائل مثل أزمتي كوريا وفنزويلا والعلاقات مع روسيا والأزمة السورية بل وحتى العقوبات ضد تركيا؟

ودون أن أطيل أود الرجوع مجددا للحديث عن الهجمات التي تعرضت لها منشأتان تابعتان لأرامكو يوم السبت، ولنسأل من هو الفاعل الحقيقي لهذه الأعمال التخريبية التي تبنتها جماعة الحوثي المدعومة من إيران من على بعد 1200 كم تقريبا. فإذا كان الحوثيون قد استطاعوا تنفيذ هذا الهجوم بطائرات مسيرة بدائية من على هذا البعد، كما زعموا، فهذا يعني أن العالم يتعرض لتهديدات كبيرة يمكن أن تأتي من قوى صغيرة. والأهم من ذلك أن قطاع صناعة السلاح، الذي يحمل استثمارات كبرى، يتعرض هو الآخر للتهديد، بل حتى يمكن القول، وإن كان من قبيل التهكم، إنه لم تعد هناك حاجة لطائرات إف-35.

إذن، إن لم يكونوا هم من نفذ الهجوم، فإن سؤال من فعلها يظل دون إجابة كما كان الحال بالنسبة لسائر الأعمال التخريبية الأخرى في الخليج. لكن من الواضح أنه يمكن تخمين تفاصيل هذه الواقعة بالنظر إلى المستفيدين من نتيجتها.

ولقد سيطرت وحدات الإطفاء على الحريق الذي اندلع عقب الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو التي تعتبر من أقوى الشركات في العالم من حيث الحراسة، لكن إنتاجها توقف، لتعرب الولايات المتحدة وبريطانيا عن ردة فعلهما بصوت عال. كما اتصل ترامب بولي العهد السعودي وأخبره بأنه يسانده.

أقف أنا كذلك بجانب السعودية، بل وحتى ولي عهدها، عندما تصيبها كارثة كبرى، بالضبط كما وقف بجانب الشعب اليمني الذي عانى بسبب الحرب خلال السنوات الأربع الماضية وفقد مئات الآلاف من أبنائه وأصبح مصير الملايين الآخرين مجهولا بسبب ما يحدث على الساحة. لكن لا شك في أن هناك اختلافات كبيرة بين ما العوامل التي تثيرني وبين القوة التي تثير ترامب.

إذن عليّ أن أطرح سؤالا مفاده: هل صدى إقالة بولتون من البيت الأبيض يأتينا في صورة أعمال تخريبية في الخليج؟ أم عليّ أن أعتبر ذلك حكما أكيدا؟ وعلى عكس العداء السعودي القديم تجاه إيران، فإن بارونات السلاح يريدون من الإدارة الأمريكية أن تواصل ضمان التدفق الرخيص والآمن للنفط والغاز كي يستطيعوا مواصلة تصنيع أسلحتهم. أوليست هذه هي السياسة التي تنتهجها واشنطن في الشرق الأوسط منذ نصف قرن من الزمان؟

وفي هذه الحالة أترككم لتخمنوا من هم مرتكبو الأعمال التخريبية الأخيرة التي شهدتها منطقة الخليج.

+

خبر عاجل

#title#