فانس وروبيو: بين التوبيخ والطمأنة.. رسالة أمريكا إلى أوروبا

08:0620/02/2026, Cuma
تحديث: 22/02/2026, Pazar
قدير أوستون

في التقرير الذي نشره منتدى ميونيخ للأمن، جرى التأكيد على أن الموقف التدميري الذي يتخذه ترامب وأمريكا تجاه النظام الدولي يطرح تحديًا عميقًا أمام أوروبا والنظام العالمي عمومًا، وقد ناقشتُ ذلك في مقالي يوم الثلاثاء. أما في هذا المقال، فسأحاول تقييم الرسالة التي توجّهها الإدارة الأمريكية إلى أوروبا من خلال تحليل الخطابات التي ألقاها شخصان محوريان في الإدارة خلال العام الماضي وهذا العام. في المنتدى العام الماضي، كان اللافت خطاب نائب الرئيس جي دي فانس الذي اتسم بنبرة توبيخية، إذ رأى أن المشكلة الأساسية

في التقرير الذي نشره منتدى ميونيخ للأمن، جرى التأكيد على أن الموقف التدميري الذي يتخذه ترامب وأمريكا تجاه النظام الدولي يطرح تحديًا عميقًا أمام أوروبا والنظام العالمي عمومًا، وقد ناقشتُ ذلك في مقالي يوم الثلاثاء. أما في هذا المقال، فسأحاول تقييم الرسالة التي توجّهها الإدارة الأمريكية إلى أوروبا من خلال تحليل الخطابات التي ألقاها شخصان محوريان في الإدارة خلال العام الماضي وهذا العام.

في المنتدى العام الماضي، كان اللافت خطاب نائب الرئيس جي دي فانس الذي اتسم بنبرة توبيخية، إذ رأى أن المشكلة الأساسية تكمن في «الانحراف الديمقراطي» الذي تعيشه أوروبا. أما هذا العام، فقد برز خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو الذي صاغ المشكلة في إطار «التراجع الحضاري»، مقدمًا رسالة أكثر حدّة لكنها في الوقت نفسه أكثر طمأنينة. فهل يمكن تفسير الفارق بين الخطابين باعتباره اختلافًا في الصياغة لنفس الرسالة، أم أن هناك انقسامًا عميقًا داخل الإدارة حول تشخيص المشكلة وطريقة معالجتها؟


الديمقراطية المنحرفة أم التراجع الحضاري؟


في خطاب فانس، تمحور النقد حول فكرة أن النخب الأوروبية التكنوقراطية، خوفًا من قواعدها الانتخابية، أفرغت الديمقراطية من مضمونها. ووفق هذا الطرح، أصبحت أوروبا بعيدة عن ناخبيها، وفشلت في إدارة موجات الهجرة، واستبعدت التيارات اليمينية والشعبوية، وتجاهلت إلغاء نتائج انتخابات في رومانيا، وأغفلت مطالب الناخبين، ما أدى إلى تقويض الشرعية الديمقراطية.


أما روبيو فقد قدّم تشخيصًا مختلفًا؛ إذ اعتبر أن التحالف الغربي ليس مجرد تكتل اقتصادي وسياسي، بل هو أيضًا حضارة قائمة على قيم ومعتقدات مشتركة، غير أن هذه الحضارة تعاني من حالة تراجع وتجاهل. وأشار إلى سنوات طويلة من تراجع التصنيع، وضعف سلاسل التوريد، وسياسات مناخية أضعفت أمن الطاقة، وموجات هجرة واسعة، فضلًا عن التحدي الجيوسياسي مع الصين، معتبرًا أن الجمود كان السمة الغالبة على السياسات الأوروبية.


وأكد روبيو أن إدارة ترامب لن تقف متفرجة على هذا المسار، بل تسعى لقيادة نهضة حضارية. كما قدّم رسالة إيجابية مفادها أن الولايات المتحدة ستظل جزءًا من التحالف عبر الأطلسي. وعلى عكس خطاب فانس الذي استهدف النخب الأوروبية بشكل مباشر بلغة شعبوية، شدّد روبيو على التاريخ والقيم المشتركة مع أوروبا، مؤكدًا أن الأخطاء السابقة كانت «مشتركة»، وأن المستقبل يجب أن يُبنى معًا، وهو فارق أسلوبي مهم.


بينما دعم فانس التيارات اليمينية والشعبوية في أوروبا، ركّز روبيو على السيادة الوطنية والمصلحة القومية، منتقدًا ضعف فعالية مؤسسات مثل الأمم المتحدة، ومؤكدًا أن تحرك واشنطن ينبع من رغبة عملية في حل المشكلات. وعلى الرغم من اتفاق الرجلين على أن الوحدة الغربية فقدت جزءًا من قوتها، إلا أنهما يختلفان في تفسير الأسباب وفي وصف العلاج.


تحت أي شروط يمكن أن تستمر القيادة الأمريكية؟


يركّز فانس على أن تقييد الحريات والتضييق على التيارات الشعبية يضعف القيم الديمقراطية، بينما يرى روبيو أن المشكلة الأساسية تكمن في فقدان الثقة بقدرة الحضارة الغربية على تجديد نفسها.


وفق فانس، تتمثل الأزمة في «الانحراف الديمقراطي»، أما روبيو فيعتبرها «تراجعًا في القدرة الحضارية». ومن ثم، فإن الحل عند فانس هو تعزيز الشرعية الديمقراطية عبر السماح بتجسيد إرادة الناخبين في السياسات العامة، بينما يرى روبيو أن الحل يتطلب مشروعًا أوسع لإحياء الحضارة الغربية من جديد.


فانس يشترط على أوروبا أن تغيّر نفسها أولًا، في حين يبعث روبيو رسالة أكثر طمأنة، مؤكدًا أن المستقبل يُبنى بشكل مشترك. وهنا يظهر الفرق الجوهري: فكل منهما يربط دعم أمريكا بقيود وشروط، لكن طبيعة هذه الشروط تختلف.


فانس يطالب بإصلاح أوروبي في مجال القيم والشرعية السياسية، أما روبيو فيركز على تعزيز السيادة الوطنية والقدرات الذاتية. كما أن فانس لا يولي أهمية كبيرة لفكرة «المصير المشترك»، بينما يطرح روبيو خطابًا قائمًا على الانتماء الحضاري المشترك، مؤكدًا أن الجميع «في القارب نفسه».


يمكن النظر إلى الخطابين باعتبارهما رسالتين متكاملتين: الأولى تركز على تجديد الشرعية الديمقراطية داخل أوروبا، والثانية على بناء القدرات الاستراتيجية. فقبول التيارات اليمينية باعتبارها جزءًا من التوازن الديمقراطي، وتعزيز القدرة الدفاعية، مع استعادة الثقة بالهوية الحضارية الغربية، قد يشكل عناصر متكاملة.


لكن ثمة بعدًا ضمنيًا لا يمكن تجاهله: فإذا فشلت أوروبا في تنفيذ الإصلاح الداخلي، فقد تميل الولايات المتحدة إلى دعم القوى الشعبوية في مواجهة النخب التكنوقراطية، ما قد يفاقم الانقسام الداخلي. وإذا لم تنجح أوروبا كذلك في بناء قدراتها الوطنية والاستراتيجية، فقد تتحول إلى لاعب هامشي في صراع القوى الكبرى بين روسيا والصين.


خلاصة: قيادة أمريكية مشروطة وليست تلقائية


إن خطاب فانس حول «الانحراف الديمقراطي» ورسالة روبيو حول «التراجع الحضاري» يمكن قراءتهما كصيغتين مختلفتين لسياسة أمريكية واحدة تجاه أوروبا. وكلا الخطابين لا يشيران إلى قطيعة مع أوروبا، بل إلى إعادة تعريف للعلاقة على أساس شروط جديدة.


إذا نجحت أوروبا في تجاوز أزمتها في التمثيل الديمقراطي، وحماية حدودها، وتعزيز قدراتها الأمنية، فإنها ستخفف العبء عن واشنطن، ويصبح نموذج الشراكة قائمًا على تقاسم أكبر للمسؤوليات.


أما إذا أخفقت، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها طرفًا في الصراعات الداخلية الأوروبية، أو قد تتراجع أهمية أوروبا في معادلات القوى العالمية.


وبذلك، فإن جوهر الرسالة الأمريكية اليوم لا يقوم على سؤال: هل تعود واشنطن إلى الالتزام التلقائي بالحلف عبر الأطلسي؟ بل على حقيقة أكثر وضوحًا: القيادة الأمريكية لم تعد شِبه ضمانة أمنية مجانية، بل أصبحت مشروطة بقدرة أوروبا على إنتاج الشرعية والكفاءة والقوة.

#فانس
#روبيو
#الناتو
#الولايات المتحدة وأوروبا
#الصراعات الداخلية الأوروبية