
ما الذي تعنيه التصريحات التي صدرت من واشنطن على لسان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بالنسبة إلى وسائل الإعلام المحلية والعالمية التي تقرع طبول الحرب؟
يمكن استنباط ما بين السطور أن قراءة أنقرة تشير إلى أن المفاوضات ما تزال متقدمة بخطوة، وأن الحشد العسكري الضخم يُستخدم أداة «ضغط» من قبل الولايات المتحدة التي تسعى إلى فرض شروطها على طاولة التفاوض. غير أنه لا بد من الإقرار أيضًا بأن مناخ الغموض الكثيف يفرض حضوره بالقدر نفسه.
عقب محادثات جنيف مباشرة، منحت التصريحات الصادرة عن إيران والولايات المتحدة الجميع أملًا بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح. ثم تغير الخطاب؛ نعم، ثمة شيء يسير على ما يرام، لكن لا أحد «سيُحجم عن الحرب» أيضًا. لقد انزلق نمط التفاوض، الذي مُد إلى أقصى حدوده، إلى النقطة التالية: الولايات المتحدة تقوم بحشد عسكري ثقيل جدًا في المنطقة، وتُعلن عبر قنواتها الرسمية — مع جداول زمنية وإنذارات تتبدل باستمرار — مواعيد من قبيل: «خلال عشرة أيام، خلال خمسة عشر يومًا، حتى نهاية هذا الأسبوع»! تنتظر واشنطن تلبية مطالبها التي وضعتها أمام طهران في جنيف، وتُسند هذه المطالب بقوة عسكرية كبيرة.
وحتى هذه المرحلة، كان الهدف أن يتوصل البلدان إلى نص تسوية يمكن «تسويقه» للرأي العام الداخلي وللعالم — وهذا لا يعني أنه فارغ المضمون — بما يتيح الخروج من الأزمة من دون الانغماس في الحرب، وبما ينسجم مع مبادئ ترامب.
غير أن دونالد ترامب، كما أشرنا سابقًا، يواصل وضع نفسه في مأزق. ويبدو أن مقولة من يقولون «الحرب حتمية» — بحجة أن «كل هذا الحشد العسكري لا يكون عبثا» — تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها. لكن الحقيقة المقلقة ستكون إن كان «حتى الرئيس نفسه لا يستطيع إيقاف الحرب» فذلك أمر سيئ حقًا.
أبسط تحديث للمشهد قد يكون التالي: هناك شروط قابلة للتسوية، لكنها لا تُرضي جميع الأطراف تمامًا؛ وإذا لم تتحقق، فستُقدم الولايات المتحدة على الهجوم. أي إننا انتقلنا من سؤال «هل ستضرب أم لا؟» إلى مرحلة يُمارس فيها الضغط على إيران لتقصير «مهلة التفكير»، وإلا فستُضرب.
من بين العناوين التي كثيرًا ما تُغفل عند الحديث عن أزمة إيران، الانتخابات النصفية الأمريكية: كيف ستتأثر إذا أقدم ترامب على ضرب طهران؟
إن «إنهاء» ملف فنزويلا، ثم إيران، بل وحتى كوبا خلال ستة أشهر، قد يخدم حملة ترامب الانتخابية. غير أن النقطة الحاسمة بالنسبة إلى قاعدته الانتخابية تكمن في أن تكون هذه «المعالجات» على شاكلة نموذج كاراكاس: سريعة، لا تمتد إلى أطراف أخرى، ويفضل أن تتم من دون إطلاق رصاصة. وإيران قد لا تستوفي هذه الشروط.
أما التصريحات الأمريكية من قبيل «الرئيس مستعد لحرب طويلة»، وحجم الحشد العسكري القائم إذا كانا يشيران إلى صراع قد يمتد أسابيع ويتوسع في المنطقة، فإن السياسات المنحازة إلى إسرائيل بهذا القدر قد لا تنسجم مع ناخبي شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا». وكيف سينعكس ذلك على صناديق الاقتراع؟ من الصعب التكهن.
نحن نناقش احتمال الحرب غالبًا من زاوية الولايات المتحدة وإيران، لكن ثمة بُعدًا آخر يتعلق بكيفية انعكاسها على دول المنطقة، وعلى تركيا.
فمشروع «السلام الترامبي» بل وحتى مشروع «اتفاقيات إبراهيم»، يضم دولًا لا ترغب الولايات المتحدة في استعدائها، مثل السعودية وتركيا. فإلى جانب بالكثير من دول المنطقة، تُعلن الرياض وأنقرة معارضتهما العلنية لهذه الحرب. وإذا اندلعت، فما موقف هذه العواصم؟
حتى دول اعتادت أن تكون «شريكة في الائتلاف» إلى جانب الولايات المتحدة، مثل بريطانيا، بدأت تُبدي ترددًا. فكيف سيكون موقف هذه الدول؟ وكيف ستتعامل مع حربٍ من شأنها التأثير في «عملية الإحياء» الجارية في الشرق الأوسط؟ أم سيُنظر إليها باعتبارها جزءًا من هذه العملية؟
ما انعكاساتها وتداعياتها على العراق، وسوريا، وباكستان، ودول الخليج، وممر زنغزور، وبحر قزوين، والنفط، والذهب، وفلسطين، وإسرائيل؟ وماذا لو أقدمت إيران على تنفيذ تهديداتها وضرب القواعد أو المصالح الموجودة في دول المنطقة؟
وماذا لو تحولت إلى «حرب طويلة» تستهدف سلامة الأراضي الإيرانية، فتُشعل سيناريوهات التفكك، والحرب الأهلية، والحراك العرقي والمذهبي، بل وربما انهيار النظام، مع ما يستتبعه ذلك من أثمان باهظة؟
لسؤال «لماذا ستضرب الولايات المتحدة إيران؟» أكثر من جواب، وهذه الأجوبة ليست سرا، وكثير منها صحيح. إسرائيل عامل من العوامل. النفط والغاز والطاقة عامل آخر. بل حتى كون إيران الدولة الوحيدة المتبقية التي تُثير المشكلات في المنطقة يُعد سببًا بحد ذاته. لكن الدافع الرئيسي يتمثل في الصين وروسيا، ولا سيما الصين.
لقد كتبنا مرارًا: إن أقرب دولة إلى منطقة النفوذ الصيني — بل الواقعة في صلبها — هي إيران. والجغرافيا التي تمسك بها تُشكل ممرًا استراتيجيًا من نوع خاص. غير أن الدعم الذي تقدمه بكين لطهران لا يلقى استحسانًا كبيرًا.
أما روسيا، فلديها خطوات من قبيل إرسال «طائرة يوم القيامة» أو تنظيم مناورات مشتركة، لكنها خطوات لا تبدو حاسمة إلى حدّ تغيير المعادلة العسكرية. فضلًا عن أن تحرك موسكو يظل صعبًا في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
إن سقوط إيران سيكون خسارة جسيمة للصين، كما سيصعب التكهن بما قد يليه. أما ما يُتداول — دون تأكيد — بشأن دعم عسكري معين، فلا يحمل دلالة كبيرة بحد ذاته. غير أن ثمة من يقول إن خطوات مضادة لنفوذ إسرائيل الاستخباراتي والعملياتي في طهران اتُّخذت بدعم صيني. ومعنى ذلك هو الحيلولة دون أن يجد أي هجوم أمريكي سندًا داخليًا يُضعف النظام القائم. ويبدو أن بكين تريد، مهما بلغ حجم الضغط الأمريكي على إيران، أن تمنع احتمال تلاقيه مع عمليات داخلية قد تُحدث زخمًا يُفضي إلى تغيير النظام.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة