
بعد إقدام الولايات المتحدة على اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من بلاده، ضمن شبكة معقدة من العلاقات، بدأنا نسمع على نحوٍ متزايد تصريحات تتحدث عن انهيار النظام الدولي القائم على القواعد.
والمقصود بهذا النظام هو البنية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمركزة حول أوروبا والولايات المتحدة. وكانت المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، من أبرز ركائز هذا النظام.
كما تُعد مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية—اللتين تردد اسمهما كثيرًا عقب الهجمات غير المسبوقة تاريخيًا على غزة—من عناصر هذا النظام نفسه. وقد عمل هذا النظام، بحكم إعداداته التأسيسية، وفق مركزية أوروبية-أمريكية، غير أنّه للمرة الأولى تبيّن، من وجهة نظر الدول الأوروبية، أنّه بات غير قابل للاستمرار عقب جرائم الإبادة التي ارتكبها الصهاينة وأثارت رعب البشرية جمعاء.
لقد جرى انتهاك النظام القائم على القواعد مرات عديدة من قِبل إسرائيل منذ عام 1948، كما استخدمته الولايات المتحدة على الدوام لمصلحتها. غير أن منتصري القرن العشرين نجحوا في جعل هذه الاختلالات غير مرئية. لكن بعد 7 أكتوبر 2023، وبفضل المقاومة الاستثنائية للشعب الفلسطيني، بدأت عناصر هذا النظام تتجاوز الحدود التي رسمتها كلٌّ من بريطانيا والولايات المتحدة.
وكان إخضاع إسرائيل للمساءلة القضائية تطورًا استثنائيًا. فلو استسلم الفلسطينيون، لما كان من الممكن محاكمة لا نتنياهو ولا غالانت. ومهما بلغت فداحة الدمار، لكانوا طمسوا آثاره واستأنفوا المسار من حيث توقفوا؛ هكذا كان الأمر دائمًا، سواء في عهد الانتداب البريطاني أو بعد عام 1948.
إن انهيار النظام القائم على القواعد يعني خسارة بريطانيا وفرنسا معًا إلى جانب الولايات المتحدة. فهذا النظام كان يعني عالمًا تتبوأ فيه بريطانيا والولايات المتحدة موقع المركز. ومن هذه الزاوية، فإن غياب ذكر بريطانيا وفرنسا في أي ترتيبات مستقبلية، أو تراجعهما عن موقع «الفاعل المؤسِّس» للنظام، أمرٌ ذو دلالة بحد ذاته. ففي كثير من التحليلات، تبرز الولايات المتحدة وروسيا والصين بوصفها الفاعلين الحاسمين.
ولا ينبغي اختزال استخفاف الرئيس الأمريكي ترامب ببريطانيا وفرنسا في كونه موقفًا شخصيًا. فمنذ حرب الخليج الأولى عام 1991، انخرطت بريطانيا وفرنسا طوعًا في البنية التي قادتها الولايات المتحدة، لأنهما—على غرار إسرائيل الصهيونية—كانتا تعتقدان أنهما ستربحان دائمًا. وقد أوكلت بريطانيا، على وجه الخصوص، معظم «الأعمال القذرة» إلى الولايات المتحدة. وكانت الأيديولوجيا الصهيونية هي التي جمعت هذه الأطراف ووجّهتها نحو الهدف ذاته. ومع إخفاق الأيديولوجيا التي آمنوا بها، بدأ النظام نفسه ينهار. وما يُحاكم اليوم، من خلال شخصي نتنياهو وغالانت، ليس مجرد أفراد، بل الأيديولوجيا الصهيونية والنظام القائم على القواعد معًا. وبهذا فقدت بريطانيا وفرنسا دورهما المركزي.
تجيد الولايات المتحدة تنفيذ «الأعمال القذرة»، غير أنّه لا بد قبل ذلك من تسجيل إصرار بريطانيا على دعم إسرائيل. فقد هدد ديفيد كاميرون المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان على خلفية قرارات التوقيف المتعلقة بنتنياهو وغالانت. وقد طُرح هذا الحدث على الساحة في تركيا أيضًا، لكنه لم يُناقش بالقدر الكافي.
ومن المعروف أن كاميرون يتمتع بقدرة تمثيلية عالية داخل بريطانيا، بل يُقال أحيانًا إنه ناطق باسم البُنى العميقة هناك. ولذلك لا يصح القول إن تهديده لكريم خان كان تعبيرًا عن رأي شخصي. فالذي هدد كريم خان بسبب قراراته هو بريطانيا نفسها. وبناءً عليه، تتصدر بريطانيا قائمة الساعين إلى تقويض النظام القائم على القواعد.
ويجب أن نذكر ألمانيا إلى جانب بريطانيا؛ فهي الأخرى كانت ممن يفضّلون أن تُنفَّذ «الأعمال القذرة» بواسطة أطراف أخرى. ولو انتصرت الصهيونية، لكانت ألمانيا أيضًا من الرابحين. والمقصود بهذه «الأعمال القذرة» هو التوسع الاستعماري لإسرائيل الصهيونية، بل وبصورة أدق: الاستيطان الاستعماري للصهاينة اليهود.
ولأن عناصر النظام متداخلة بشدة، يصبح من شبه المستحيل فصل أحدها عن الآخر. ولهذا، لا بد من تحليل الوقائع ضمن إطار مفاهيمي محدد. ففي الضفة الغربية والقدس الشرقية، يرتكب المستوطنون الصهاينة جرائم تفوق—من حيث الكم—ما ترتكبه إسرائيل الصهيونية في غزة. ويمكن تشبيه الأمر بعمل «فراغ جاذب».
ويمكن القول إن بريطانيا وألمانيا باتتا رهينتين للأيديولوجيا الصهيونية. وكلما خسرت إسرائيل الصهيونية والصهيونية نفسها معركة الشرعية الدولية، أصبحت بريطانيا وفرنسا وألمانيا محكومات بالتراجع إلى الخلف. وستدفع هذه التطورات الدول الأوروبية إلى مواقف أكثر عدوانية، وبفعل هذا التداخل العميق، يصبح انفصالها عن هذا المسار شبه مستحيل.
وفي هذا الإطار تحديدًا، ينبغي فهم القول إن انهيار النظام القائم على القواعد يفتح أبواب مرحلة أشد قسوة.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة