
ماذا يعلّمنا رمضان؟ لعل كل واحد سيجيب عن هذا السؤال بحسب أولوياته وحساسياته الخاصة:
«كيف أجاهد نفسي»، «كيف أستثمر وقتي بكفاءة»، «جمال الأخوّة»، «طمأنينة العبادة ومتعتها»، «لذة الاجتماع بالعائلة»، «الشفاء الذي تبعثه روح المساعدة والإنفاق في النفس». وجميع هذه الأجوبة صحيحة وفي محلها في آنٍ واحد.
منذ سنوات أحاول أن أقضي رمضان بعيدًا عن الأضواء، منفردًا، مخصصًا وقتي كله لعائلتي وأصدقائي المقربين جدًّا. وباستثناء برنامجٍ أو برنامجين أضطر للمشاركة فيهما، أستطيع أن أقول إنني أعيش شبه اعتكافٍ كامل. أعتذر عن دعوات الإفطار والسحور قائلًا: «أنا في حالة انشغالٍ دائم طوال أحد عشر شهرًا، فدعوا لي شهرًا واحدًا». والحمد لله، فإن من يعرف كثافة انشغالاتي في سائر الأوقات يُبدي تفهمًا لهذا الأمر. ومع التقدم في العمر تتسع يد الإنسان في تنظيم حياته وضبط إيقاعها.
ورمضان بالنسبة لي زمن أجد فيه نفسي أكثر مواجهة لذاتي، وأكثر خلوة معها. ومن هنا يكون جوابي عن سؤال: «ماذا يعلمنا رمضان؟» هو: «طعم الروتين وهدوء السكينة…». فالسكون واتّساع الوقت يتيحان بطبيعة الحال فرصًا إضافية للقراءة والكتابة. بل إنني بفضل ذلك استطعت أن أُتم عددًا من كتبي خلال شهر رمضان. وهذا العام أيضًا لدي أكثر من مشروع بين يدي.
ولأن مجال عملي الأساسي هو جغرافيا العالم الإسلامي، فإن رمضان يتحول في الوقت نفسه إلى أنسب فترة للتفكر في أحوال المسلمين عمومًا، وإلى قراءةٍ أعمق وتأملٍ من زاويةٍ أبعد. فبينما أتابع كيف يُعاش رمضان في بقاعٍ مختلفة من منطقتنا، أجدني أقوّم أيضًا الحالة العامة التي يعيشها العالم الإسلامي.
وفي هذا الرمضان، وعلى خلاف الأعوام السابقة، لا تغيب مدينة «كاشغر» عن خاطري. كاشغر التي يُحظر فيها أداء الصلاة جماعة، وصلاة التراويح، وقيام الليل، والصيام، وارتداء الحجاب، وإطلاق اللحية. كاشغر التي كانت مدينةً عميقةً متعددة الأبعاد، يمكن إعلانها توأمًا للقدس أو دمشق في العالم الإسلامي، فإذا بها اليوم تتحول إلى بلدةٍ أسيرةٍ مكبلةٍ بالأغلال.
كاشغر التي حُوّل مسجد «عيدغا» في قلبها إلى متحف، وخفَت في شوارعها صوت الأذان وتلاوة القرآن، حتى إن حمامها بات حزينًا يرفرف بجناحيه ببطء. كاشغر مدينة محمد يعقوب بك، وعبد القادر داملا، وثابت داملا، المدينة التي كانت الأعلام العثمانية ترفرف يومًا على أسوارها.
ثم أفكّر في حال فلسطين، وفي الدمار الذي تعيشه غزة، وأسر القدس، وغصّة مسلمي أراكان، وفي الصائمين تحت ظل الحرب الأهلية في السودان، وفي المحرومين والمظلومين في بقاعٍ لا نكاد نعلمها من هذا العالم. وتتردّد في أذني عبارة قالها لي صديق لبناني قبل سنوات: «أنتم، المسلمون الذين تعيشون في تركيا، لن تفهموا أبدًا أيَّ نعمة عظيمة هي أن تعقدوا اجتماعًا في قاعةٍ بأمان، من دون خوفٍ من أن تتساقط القنابل فوق رؤوسكم!».
لا أذكر هذه الأمور من باب «تسجيل لائحة بالظلم» أو «إطلاق المراثي». ثمة نقطة أودّ أن أؤكد عليها تحديدًا: لعل الرسالة الأوضح التي يمنحها رمضان للمسلمين الذين يعيشون في تركيا هي أننا نعيش في أكثر بلدان الجغرافيا الإسلامية حريةً من جميع النواحي. حتى إن هذه الحرية في بلدنا قد تبلغ أحيانًا حد الانفلات. فنحن نملك إمكاناتٍ واسعة جدا — إن لم نقل غير محدودة — في أن نعيش الإسلام بكل أبعاده، وأن نقوم بأعمالٍ إسلامية، وأن نتنظم، وأن نصل إلى مختلف فئات المجتمع، وأن نربي أبناءنا كما نشاء، وأن نوفر لهم التعليم الذي نطمح إليه. نعم، توجد صعوبات كما هي الحال في كل مكان، لكنها ليست أكثر مما في سواه.
وفي كل مرة أعود فيها إلى إسطنبول، بعد أن أكون قد زرت — جسدًا أو فكرًا — مناطقَ مظلومةً ومحرومةً من الجغرافيا الإسلامية، يراودني الشعور ذاته: إننا لا نعمل بالقدر الكافي لنؤدي حق هذه الحريات كلها. وكثيرًا ما يطرق ذهني قول الشيخ الراحل عبد المتين بلقانلي أوغلو: «في ظل هذا القدر من الحرية، من لا يعمل فهو خائن!». وهو قولٌ صادق حقا.
فليُذكرنا رمضان إذًا بالسؤال الصعب أيضًا:«هل نبذل حقًّا أقصى ما في وسعنا في المواقع التي نحن فيها، ونؤدي ما علينا من واجبات؟ أم أننا نكتفي بأداء بعض الأمور أداءً شكليا لرفع العتب، ثم نمضي في عيش حياتنا كما هي؟»
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة