مؤتمر "شيخ العشق" ملا جزيري في "جزيرة" وحضور مسعود بارزاني

08:093/12/2025, Çarşamba
تحديث: 25/02/2026, Çarşamba
ياسين اكتاي

"لا تَزِن الإمارةُ والسلطنةُ في عين 'الملا' مثقال ريشة" "لا أستبدل ملكَ الدنيا بذرةٍ من عناية تأتيني من المحبوب" هذان البيتان من قصيدة للشاعر "ملا جزيري"، وقد ظهرت على الملصق الترويجي للمؤتمر الدولي الرابع للشاعر ملا جزيري، والذي نظمته جامعة شرناق في جزيرة ابن عمرو، في نهاية الأسبوع الماضي، تحت عنوان "التصور الأخلاقي عند ملا جزيري"، ويعد هذا المؤتمر الرابع من نوعه، حيث عقد قبله ثلاثة مؤتمرات خُصصت لملا جزيري. في أشعار الجزيري، يُعتبر مقام "الملا" (العالم، العارف، حامل المعرفة الحقيقية) فوق السلطة

"لا تَزِن الإمارةُ والسلطنةُ في عين 'الملا' مثقال ريشة"

"لا أستبدل ملكَ الدنيا بذرةٍ من عناية تأتيني من المحبوب"

هذان البيتان من قصيدة للشاعر "ملا جزيري"، وقد ظهرت على الملصق الترويجي للمؤتمر الدولي الرابع للشاعر ملا جزيري، والذي نظمته جامعة شرناق في جزيرة ابن عمرو، في نهاية الأسبوع الماضي، تحت عنوان "التصور الأخلاقي عند ملا جزيري"، ويعد هذا المؤتمر الرابع من نوعه، حيث عقد قبله ثلاثة مؤتمرات خُصصت لملا جزيري.

في أشعار الجزيري، يُعتبر مقام "الملا" (العالم، العارف، حامل المعرفة الحقيقية) فوق السلطة الدنيوية. وهذا خير تعبير عن التوازن التقليدي السائد بين الأخلاق والسياسة في المجتمعات الكردية الإسلامية، فالسلطة المعنوية للعلماء تفوق دائماً القوة السياسية للأمراء والسلاطين.

في زماننا هذا، وفي ظل سعي البعض لفصل السياسة عن الأخلاق والأخلاق عن السياسة —وهو ما وصفه الحكيم الكردي المعاصر، وحيد الدين إينجه، بأنه قطع صلة الرحم بين قيمتين ومسارين مهمين— هل يمكن لنداء حكيم كردي آخر، وهو ملا الجزيري، أن يعيد بناء هذه الصلة؟

بعض الناس ينظرون إلى المنخرطين في غمار السياسة اليومية وكأنهم "ضلوا الطريق"، لكنهم لا يترددون في طلب العون من السياسي عندما يحتاجون إليه. هذا بالطبع تصور ضيق جدًا للسياسة. فالسياسة بلا شك أوسع بكثير: إنها مستوى من الوجود الإنساني، وإرادة تهدف إلى إعمار الأرض، ومحاولة لإعادة تثبيت موازين العالم المختلة، وهي بهذا المعنى لا تُقصي جهود الإصلاح والنهضة، بل إنها في الحقيقة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر السياسة، ومن هذا المنطلق لا يمكن فصل السياسة عن الأخلاق.

ولكن قد تكون المناصب التي تتيحها السياسة عبئاً ثقيلاً على شاغليها. فالإحساس بالقوة قد يوقع الإنسان في الغفلة والضلال بسهولة شديدة. ومن هنا، ينبغي ألا ينفصل الجهاد في ميدان السياسة ـ بوصفه مجاهدةً للنفس ـ عن جهاد إعمار الأرض وإصلاحها. إن كلمات ملا جزيري، التي قد توحي بنبرة تشاؤمية قليلاً، لا ينبغي قراءتها كخطاب لنبذ السياسة، بل باعتبارها دعوة إلى تهذيب السياسة.

في مؤتمر ملا جزيري لهذا العام، تم تسليط الضوء على موضوع "الأخلاق"، بينما عُقدت المؤتمرات الثلاثة السابقة بالتسلسل حول مواضيع: العشق، وعلم الوجود (الأنطولوجيا)، وعلم المعرفة (الإبستمولوجيا). ويعود اختيار موضوع العشق للندوة الأولى إلى أدب العشق القوي في ديوان ملا جزيري الشهير، والذي ألهم العديد من قصص الحب وأدب وموسيقى الدينغبيج (أدب الأكراد) لقرون عديدة.

ولعل وجود ملا جزيري وحده، إلى جانب أحمدي خاني، من أقوى الأدلة على الهوية الثقافية الكردية ووجودها. فهو مدرس في المدرسة الدينية ورمز بارز يُمكننا من خلاله تتبع جذور العلم والثقافة الإسلامية بين الأكراد. وأود أن أشيد هنا بالدور الكبير الذي لعبته الجامعة في جعل هذا الاسم محوراً لمؤتمر متتالٍ لأربع سنوات، ومحطاً لأبحاث العديد من الأكاديميين والكتاب والباحثين المرموقين القادمين من تركيا ودول عديدة حول العالم. هذا هو أحد الأدوار التي تؤديها الجامعات التي افتتحت في كل ولاية بعد عام 2007 في تركيا. إنها وظيفة اكتشاف وكشف القيم المخفية والتاريخ الخاص بكل ولاية بدقة وحرصِ عالم آثار الفكر والثقافة. إن دوره الإثرائي للرأسمال الرمزي والفلكلوري والثقافي للبلاد بهذه الطريقة واضح جداً حتى من خلال هذا المثال. وعلى امتداد المؤتمرات السابقة إلى جانب هذا المؤتمر، اهتم مئات الباحثين بتراث ملا جزيري، وقدموا العديد من الأعمال الرائعة المستوحاة من عشقه وأدب العشق الخاص به.

فعلى سبيل المثال، عُرضت رواية للكاتب عمر خطّاب أوغلو عن ملا جزيري، مكونة من ثلاثة مجلدات (تقع في نحو 1400 صفحة)، لأول مرة في معرض الكتاب الذي نظمه مكتب القائم مقام في جزيرة ابن عمرو هذا العام، تزامنًا مع المؤتمر. ويُقدِّم المؤلف "ملا جزيري" بوصفه شيخ العشق"، ويحمل المجلد الأول من الكتاب عنوان "ليلى مي"، والثاني "ملحمة عشق يعقوب وديلان"، والثالث "حبي خالص". إنه عمل أدبي رائع مستوحى من ملا جزيري.

يستضيف محافظ الجزيرة، أحمد وزير بايجار، المؤتمر ولكنه يولي أهمية خاصة لمعرض الكتاب الذي يُقام لأول مرة هذا العام بالتزامن مع المؤتمر. فهو يهتم بالضيوف شخصياً ويبذل جهداً كبيراً لضمان سير النشاط بفعالية. إن إقامة المعرض لأول مرة في "جزيرة"، التي يناهز عدد سكانها 200 ألف نسمة، أمر يدعو للتفكير، و لكن يُنظر إلى هذا المعرض الآن، الذي أصبح ممكناً في مناخ "تركيا بلا إرهاب"، على أنه خطوة من شأنها أن تُعزز هذا المناخ بشكل أفضل. لقد رأينا بأنفسنا الإقبال الشديد من الجمهور والطلاب على المعرض، والتقينا بكتاب من جزيرة (مثل عمر حطاب أوغلو، ومعاذ فارول، ورمضان تملكوران، ومرال غزل، والعديد من الكتاب الذين لا يسعني ذكرهم هنا)، واشترينا كتبهم وتحاورنا معهم، وأجرينا حواراً شيقاً مع القراء.

إن ما جعل ندوة ملا جزيري تحظى باهتمام أكبر في الأجندة الوطنية لهذا العام هو دعوة مسعود بارزاني للندوة وتلبيته للدعوة مع وفد كبير ضم وزراء. وأعترف أنني واجهت صعوبة في فهم انعكاسات زيارته في وسائل الإعلام. وقد أوضح وحيد الدين إنجه في مقاله معنى هذه الزيارة بشكل جيد جدًا. وبغض النظر عما يقال فإن بارزاني يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة. وقد شهدت هذا الحب والاهتمام بنفسي خلال المؤتمر. ربما كانت الإجراءات الأمنية المشددة التي قد تبدو مبالغًا فيها، تهدف إلى منع تحول هذا الاهتمام إلى تدافع مفرط. وكان هناك بالفعل اهتمام زائد يمكن أن يشكل ثغرات أمنية خطيرة. ولذلك، لم يكن انتقادي لهذه الإجراءات الأمنية لأنها مفرطة، بل كان بسبب عدم كفاية التنظيم. والجدير بالذكر أن هذه الزيارة لم تسبقها أي دعوة أو تحضير من جانبه أو من أي جهة تنظيمية أخرى، وكان الاهتمام عفويا للغاية. وتستطيع أن تدرك على الفور أنه ليس من النوع الذي يستجيب لهذا الاهتمام كسياسي أو يقوم باستعراض أو يدخل في تفاعل حماسي مع الجماهير. لقد تطور كل شيء بشكل عفوي وطبيعي.

فمن ذا الذي نحمّله وزر حرمانه ـ رغم أنه عاش في دولة مجاورة للجزيرة – من زيارة الجزيرة طوال عمره، حتى استطاع الآن ولأول مرة أن يزور ضريح ملا جزيري، الذي يكن له حبًا كبيرًا ويصفه بـ «نجم القطب». هل يجب أن نشعر بالحنين إلى الوحدة والروح المشتركة التي تتجاوز الحدود التي فرضتها اتفاقية سايكس–بيكو، أم سنستمر في مضاعفة هذه الحدود والعيش في خوف من الانقسامات؟ إن الشعور الذي يمثله البرزاني اليوم يجعل تركيا تبدو له أقرب، وهو لا يميل إلى الفصل بيننا بل يتوق للاتحاد والاندماج معنا.

وفي الجلسة الافتتاحية للندوة، جاءت كلمات المؤرخ الجليل والحكيم من سيرت، الأستاذ الدكتور إحسان ثريا سرما، الموجهة إلى بارزاني، لتعبر بعمق عن أن هذا التقدير لم يكن أحاديّ الجانب، بل كان تعبيراً عن عمقٍ وجداني وأواصر ضاربة في الجذور، حيث قال: "أقول في نفسي: إنّ اليوم عيدك، فهنيئًا لك، لقد رأيتُ هذا العيد في منامي، فليكن عيدنا جميعًا مباركًا، سواء كنّا أتراكًا أم أكرادًا أم إيرانيين، وأيًّا كانت هويتنا، فنحن إخوة، هكذا أمر الله، أنا سعيد جدًا، جزى الله خيرًا من كان سببًا في هذا اليوم. بارك الله في أهل أنقرة وأهل بارزان، عندما كنت طفلًا، لم أتخيل يومًا أنني سأشهد مثل هذه الأيام الجميلة. ولكن الله على كل شيء قدير."


#ملا جزيري
#مسعود بارزاني
#الأكراد
#ياسين أكتاي
#مؤتمر