"صانكي يدم".. قصة مسجد بناه زاهد (إضاءات عثمانية)

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

الثقافة والفن

"صانكي يدم".. قصة مسجد بناه زاهد (إضاءات عثمانية)

- اسم المسجد "صنكي يدم"، وترجمته بالعربية "كأنني أكلت"- الاسم يدلل على زهد رجل عثماني حرم نفسه الملذات من أجل بناء مسجد- المسجد باقٍ إلى اليوم رغم تعرضه للدمار والحرق في القرن العشرين- معروف عن العثمانيين اهتمامهم الرسمي والشعبي ببناء المساجد

مركز الأخبار AA

يقول المُصلح الاجتماعيّ التركي بديع الزمان سعيد النورسي: "كلما نادت الملذات ينبغي الإجابة بكأنني أكلتُ، فالذي جعل هذا دستورًا له، كان بوسعه أن يأكل مسجدًا سمّي كأنني أكلت ولم يأكل".

يشير النورسي في هذا المقطع، إلى أغرب قصة حول بناء مسجد في العهد العثماني، بل وأغرب مسمّى أطلق على مسجد، "صانكي يدم- sanki yedim"، أو كما هي ترجمتها بالعربية "كأنني أكلتُ".

معروفٌ عن العثمانيين شدة شغفهم ببناء المساجد، سواء على الصعيد الرسمي، حيث كان الحكام يشيّدونها في كل بقعة يبسطون حكمهم عليها ويولونها اهتمامًا فائقًا، أو على الصعيد الشعبي حيث كان عامّة الناس يبنون المساجد طلبًا للثواب، إلا أن لهذا المسجد قصة خاصة زادت من شهرته رغم أنه لا يعدّ من الجوامع الكبيرة.

يتعلق بناء مسجد "صانكي يدم" بشخصية رجلٍ زاهدٍ أراد رغم فقره الشديد أن يترك أثرًا بعد موته، فأقدم على فعل ما لم يقدم عليه كثير من الأثرياء، وهو بناء مسجد بهذا الفقر وهذا الزهد.

ترجع قصة بناء هذا المسجد إلى القرن السابع عشر للميلاد، وقد نقلها الأستاذ أورخان محمد علي في كتابه "روائع من التاريخ العثماني"، نقلًا عن كتاب "جوامع إسطنبول"، لمؤلفه تحسين أوز، وذكر أن باني المسجد هو خير الدين كتشيجي أفندي، وكان يعيش في منطقة "فاتح" في إسطنبول.

كان خير الدين رجلًا فقيرًا، كلّما مرّ على الأسواق، واشتهت نفسه شراء فاكهة أو حلوى، قال كلمته الشهيرة "صانكي يدم" أي "كأنني أكلت"، فبدلًا من شراء ما يشتهيه يضع ثمنه في صندوق خاص على سبيل الادّخار.

مرّت الأعوام تلو الأعوام، وهو يحرم نفسه من الملذّات ويكتفي بما يقيم صلبه، حتى جمع مبلغًا كبيرًا من المال، تمكّن به من بناء مسجد صغير في المحلّة التي يعيش فيها.

لكن خير الدين لم يكن هو من أطلق هذه التسمية على المسجد، إنما أطلقها سكان الحي، الذين كانوا يعرفون قصة هذا الشخص الفقير الورع، وكيف جمع تكلفة بناء المسجد، فأطلقوا عليه "صانكي يِدِم".

يقع المسجد في أحد الأزقّة بمنطقة فاتح، وهو معروف باسم "كرباجي نام"، يقبع هناك بين البيوت القديمة، وهو مبنيّ على مساحة حوالي 100متر مربع في الداخل، ومساحته الخارجية 130 متر مربع.

المسجدٌ بسيط في عمارته، بعيدٌ عن مظاهر الترف والفن المعماري الذي تميزت به المساجد العثمانية الكبيرة، فهو يتسع لـ 200 مُصلٍّ ويضمّ مصلّى للنساء وتقام فيه دروس دينية.

جرى تشييد المسجد المتواضع بالخرسانة المسلحة، وله قبابٌ كبيرة و4 قباب مغطاة بالرصاص، وتحتوي المئذنة على شرفةٍ واحدة مبنية من الخرسانة المسلحة.

تعرّض لأضرار بالغة إبّان الحرب العالمية الأولى، حيث لحق به دمار كبير بسبب حريق ضخم نشب داخله، وظلّ مهجورًا حتى عام 1959، إلى أن أعيد ترميمه وإصلاحه بجهود ذاتية من سكان الحي.

وعلى باب مسجد "صانكي يِدِم" ثُبّت حجرٌ من الرخام دُوّن عليه ملخّص قصة بناء "كأنني أكلت".

وفي حديث سابق يعود إلى حوالي 6 سنوات مضت، يقول عبد الصمد آيدن، نائب مفتي منطقة الفاتح، إن "خير الدين كتشيجي لجم شهوات النفس البشرية، ووجّهها لفعل الخير، وفي هذا عظةٌ كبيرة".

مات خير الدين، لكنه ترك مع هذا المكان قيمةً خيرية وإنسانية لا تنسى، فالمسجد الذي بناه يمثّل ثمرةً لجهاد النفس، وهو أمرٌ عظيم يحتاج إلى تدبّر، ويقدّم قدوةً للناس في السير على نهج الزهد بملذّات الحياة، وإيثار الشأن العام على الشأن الخاص.

+

خبر عاجل

#title#