موريتانيا.. "كومبي صالح " الأثرية تشكو النسيان والعزلة

12:326/05/2021, الخميس
الأناضول
موريتانيا.. "كومبي صالح " الأثرية تشكو النسيان والعزلة
موريتانيا.. "كومبي صالح " الأثرية تشكو النسيان والعزلة

- كانت قبل قرون العاصمة السياسية لسلطنة غانا (مطلع القرن العاشر الميلادي)- يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 3565 نسمة، وتضم مدرستين (المرحلة الابتدائية) فقط، ومركزاً صحياً ومقراً للبلدية-أهل المدينة الأثرية يعانون من الإهمال ويتطلعون إلى قرارات حكومية تعيد الاعتبار لمدينتهم التي كانت تتمتع بمركز سياسي وتجاري مهم-عمدة المدينة: الحكومات المتعاقبة لم تقم بما يكفي من أجل التعريف بالمدينة وكشف كنوزها الدفينة

تقف بقايا حجارة متناثرة وركام مبانٍ قديمة... شاهدة على عمران مدينة كومبي صالح الموريتانية، التي كانت قائمة قبل قرون في البلد العربي المطل على المحيط الأطلسي.

وعلى الرغم من سنوات النسيان وتقلبات الزمن، لا تزال تلك المدينة، التي كانت قبل قرون العاصمة السياسية لسلطنة غانا (مطلع القرن العاشر الميلادي)، تصر على الاحتفاظ ببقايا تاريخها وترفض الاندثار.

واليوم، تعد المدينة مركزا للحفريات وقبلة لعلماء الآثار من أصقاع المعمورة، فيما يشكو سكانها من العزلة والنسيان، ويتطلعون إلى قرارات تعيد الاعتبار لمدينتهم التي كانت تتمتع بمركز سياسي وتجاري مهم في محيطها.

** منسية في الصحراء

ظلت كومبي صالح، التي تقع جنوب شرقي موريتانيا (960 كم من العاصمة نواكشوط)، طوال قرون، مركزا رئيسيا للتبادل التجاري، إلا أنها باتت اليوم مدينة مهمّشة ومعزولة تماما، بفعل وعورة الطرق غير المعبّدة من جهة، وافتقارها إلى الخدمات الأساسية من جهة أخرى.

ويعتمد سكان المدينة، اليوم، على رعي الماشية، وممارسة بعض النشاطات التجارية البسيطة.

ووفق "جمعية الحفاظ على مدينة كومبي صالح" (غير حكومية)، يقدر عدد سكان المدينة اليوم بنحو 3565 نسمة، وتضم مدرستين (المرحلة الابتدائية) فقط، ومركزاً صحياً ومقراً للبلدية، إ ضافة إلى سوق أسبوعية تشكل مصدرا للتبادل التجاري بينها وبين القرى المجاورة.

يقول عمدة البلدية محمد ولد أحمد فال إن سكان كومبي صالح يعيشون اليوم أوضاعا صعبة، مثل "نقص مياه الشرب وخدمات الصحة والتعليم ووعورة الطرق"، ما دفع الكثير منهم إلى الهجرة نحو المدن القريبة.

ويوضح، في حديث لـ "الأناضول"، أن المدينة "باتت اليوم شبه منسية، وتحتاج إلى رعاية خاصة من الحكومة، لكونها تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية".

ويشير ولد أحمد فال، إلى أن الحكومات المتعاقبة في البلد لم تقم بما يكفي من أجل التعريف بالمدينة وكشف آثارها.

ويضيف: "المدنية طمرها النسيان، وأصبحت عرضة لزحف الرمال التي دفنت كنوزها، ولا أحد يذكرها اليوم".

** مطالب أساسية

وطالبت "جمعية الحفاظ على مدينة كومبي صالح" الحكومة بإيلاء المدينة اهتماماً يوازي تاريخها العريق، مشيرة في بيان إلى أنها تحتاج اليوم إلى تزويدها بالإنارة الكهربائية، وتطوير المركز الصحي إلى مستوصف، وإصلاح المدارس الابتدائية الموجودة وترميمها، وبناء سدود لمساعدة المزارعين وتوفير نشاط زراعي في أرجاء المدينة ومحيطها.

كما دعت الجمعية إلى ضرورة تأمين بنية تحتية سياحية توفر الراحة والاستجمام للزوار والباحثين والمهتمين بتراث المدينة، فضلاً عن إيجاد مشاريع تنموية مدرة للدخل لدعم شبابها وحثهم على الإنتاج.

وأكدت الجمعية، أيضا، على أهمية حماية المواقع الأثرية في كومبي صالح وإنشاء متحف للقطع الأثرية وقاعة للعرض، والقيام بحفريات معمقة داخل المدينة.

** جلب السياح

يتطلع سكان كومبي صالح إلى قرارات حكومية تساهم في إحياء تراث المدينة، والتعريف بتاريخها وكشف كنوزها "من أجل جذب السياح، وإنعاش الحركة الاقتصادية، ودعم استقرار السكان المحليين"، وفق تعبير ولد أحمد فال.

ويلفت إلى أن المدينة يقصدها سياح من أرجاء العالم، "لكن ضعف البنى التحية تحول دون تزايد أعداد هؤلاء المهتمين بتاريخ المدينة وآثارها.

ويطالب عمدة كومبي صالح بفك العزلة عن المدينة، ودمجها ضمن المدن التاريخية التي ينظم فيها "مهرجان المدن القديمة".

وتنظم وزارة الثقافة والصناعة التقليدية المهرجان سنويا، بالتناوب بين أربع مدن تاريخية، وهي: وادان، وشنقيط، وتيشيت، وولاتة؛ بهدف إعادة الاعتبار لهذه المدن.

** تاريخ عريق

يعود تأسيس كومبي صالح، ذات التاريخ العريق في منطقة الصحراء الكبرى، إلى القرن الثالث الميلادي.

في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وصل الإسلام إلى المدينة حيث اعتنق الكثير من سكانها الإسلام، حتى كان شطرها الجنوبي يعرف بالحي الإسلامي، بينما يعرف الشطر الآخر بالحي الامبراطوري.

تقول المصادر التاريخية، كانت كومبي صالح سوقا رائجة للقوافل التجارية وموقعا حيويا لتبادل مختلف البضائع والسلع التجارية، خصوصاً مواد الذهب والملح والجلود والحبوب والجواهر، ما جعلها مدينة مزدهرة في ذلك التاريخ. كما لعبت دورا رياديا عبر فترات تاريخية متباينة.

ولكن سقوط مملكة غانا كان البداية الفعلية والمباشرة لتراجع المكانة والدور البارز الذي كانت تلعبه المدينة في المنطقة، مع ما تعرضت له من موجات جفاف متعاقبة دفعت سكانها إلى الهجرة، فأصبحت عرضة للنهب والسلب وانهار الجزء الأكبر من معالمها التاريخية.

تتشكل كومبي صالح، اليوم، من مدينتين قديمة وحديثة. تأسست المدينة الجديدة بالقرب من أطلال نظيرتها القديمة عام 1962، وهي الآن عاصمة لبلدية كومبي صالح التابعة لمقاطعة تمبدغه، جنوب شرقي البلاد.

** أطلال متناثرة

لم يبق من مدينة كومبي صالح سوى أطلال متناثرة، فيما طمر النسيان والإهمال جل معالمها وكنوزها الأثرية، وما يظهر منها حالياً هو بعض الأسوار وبقايا أساسات أبنية.

وتم إيداع قطع مكتشفة بموقع المدينة الأثرية في المتحف الوطني بالعاصمة نواكشوط، وأخرى بالمتحف التابع لـ "جمعية الحفاظ على مدينة كومبي صالح"، وهي منظمة غير حكومية.

عام 2016، نظم فريق بحث يضم أساتذة وطلاباً من جامعة العلوم الإسلامية (حكومية) رحلة بحث واستكشاف للمدينة.

ووفق تقرير نشرته وكالة الأنباء الموريتانية، آنذاك، أكد فريق البحث أن هذه المدينة تزخر بالكثير من الآثار التي لا يمكن تقدير حجمها ونوعها، وتقصي سبلها والحديث عنها، إلا بعد عملية تنقيب كبيرة وشاملة بسبب المساحة الشاسعة للمدينة.

#غانا
#كومبي صالح
#موريتانيا